من اللعب إلى التطرف.. كيف تستغل الجماعات الإرهابية منصات الألعاب الإلكترونية؟
لم تعد محاولات الجماعات الإرهابية لنشر أفكارها واستقطاب عناصر جديدة تقتصر على الوسائل التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي المعروفة، بعدما دفعت التطورات التكنولوجية المتسارعة تلك الجماعات إلى البحث عن مساحات رقمية جديدة يمكن من خلالها الوصول إلى فئات أكثر استهدافًا، خاصة الأطفال والشباب، مستفيدة من الانتشار الواسع للمنصات الإلكترونية وتنوع المجتمعات الرقمية التي تجمع مستخدمين لديهم اهتمامات مشتركة.
وفي هذا السياق، حذر تقرير أممي جديد صادر عن المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، من تنامي استخدام الجماعات الإرهابية للفضاء الرقمي في تنفيذ أنشطة متعددة، تشمل التجنيد وجمع الأموال والتخطيط للعمليات، إلى جانب نشر الدعاية والترويج للأفكار المتطرفة، في ظل قدرة هذه الجماعات على تطوير أدواتها وأساليبها بصورة أسرع من قدرة بعض الحكومات على مواكبة هذه التغيرات بالتشريعات والسياسات اللازمة.
وأشار التقرير، بحسب ما نقله مركز إعلام الأمم المتحدة، إلى أن السرعة التي تعمل بها الجماعات الإرهابية على تكييف حملاتها الدعائية مع التطورات التكنولوجية أدت إلى اتساع الفجوة بينها وبين الاستراتيجيات والسياسات التي تتبعها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمواجهة هذه الأنشطة، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة أمام جهود مكافحة الإرهاب في البيئة الرقمية.
استهداف الأطفال والشباب
ولفت التقرير إلى أن أحد الاتجاهات المثيرة للقلق يتمثل في تزايد استهداف الأطفال والشباب، إذ لم تعد محاولات الوصول إلى هذه الفئات تعتمد فقط على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما امتدت إلى منصات الألعاب الإلكترونية ومجتمعات الاهتمامات المشتركة على الإنترنت، بما يسمح للجماعات الإرهابية بالوصول إلى مستخدمين في بيئات رقمية قد تبدو في ظاهرها بعيدة عن النشاط السياسي أو الأمني.
وأوضح التقرير أن تطور الدعاية الإرهابية عبر الإنترنت شهد تحولات كبيرة على مدار السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن تنظيم القاعدة، الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة قبل 25 عامًا، اعتمد في فترات سابقة على رسائل مركزية كان يتم توزيعها بصورة رئيسية من خلال وسائل الإعلام.
ومع ظهور تنظيم داعش في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، شهدت الدعاية الإرهابية تحولًا نحو أنظمة رقمية أكثر انتشارًا وتعددًا في اللغات، وهو ما منح الجماعات الإرهابية قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور أوسع، والاستفادة من التطورات التقنية في إنتاج المحتوى ونشره وتوجيهه إلى فئات محددة.
ورصد التقرير عددًا من الاتجاهات الناشئة التي تستغلها الجماعات الإرهابية في أنشطتها الرقمية، من بينها استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توظيف منصات الألعاب الإلكترونية والمساحات الرقمية البديلة، ومن بينها «ديسكورد» و«تويتش» و«ستريم»، في محاولة للوصول إلى المستخدمين داخل بيئات تفاعلية يصعب أحيانًا رصد طبيعة المحتوى الذي يتم تداوله فيها بالسرعة الكافية.
وبرز استغلال منصات الألعاب الإلكترونية باعتباره أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق في التقرير، خاصة مع استهداف الشباب من خلال الألعاب، حيث أشار التقرير إلى أن عددًا من الجماعات الإرهابية صمم ألعاب إطلاق نار تحمل طابعًا متطرفًا وعنيفًا، كما عملت على تعديل ألعاب موجودة بالفعل، بهدف دمج روايات التطرف العنيف داخل أشكال ترفيهية مألوفة بالنسبة للمستخدمين.
وعكست هذه الأساليب تحولًا في طبيعة الدعاية الإرهابية، إذ لم تعد الرسائل المتطرفة تقدم بالضرورة في صورة مباشرة أو تقليدية، وإنما يمكن دمجها داخل محتوى ترفيهي أو تفاعلي يستقطب اهتمام الشباب، بما يفتح أمام الجماعات الإرهابية مساحة جديدة للتأثير والاستقطاب والتواصل مع الفئات المستهدفة.
المجتمعات الرقمية
وتزداد خطورة هذا الاتجاه مع الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية والمجتمعات الرقمية التي تجمع المستخدمين حول اهتمامات مشتركة، وهو ما يوفر بيئات تواصل يمكن استغلالها لبناء علاقات تدريجية مع المستخدمين، ومحاولة التأثير في أفكارهم أو جذبهم إلى محتوى أكثر تطرفًا، وفقًا لما رصده التقرير الأممي.
ويؤكد التقرير أن تطور أدوات الدعاية الإرهابية يفرض تحديًا مستمرًا على جهود مكافحة الإرهاب، خاصة في ظل قدرة الجماعات على الانتقال بين المنصات وتغيير أساليبها بما يتناسب مع طبيعة كل مساحة رقمية، وهو ما يجعل مواجهة هذه الظاهرة بحاجة إلى مواكبة مستمرة للتطورات التكنولوجية وأساليب الاستخدام التي تتبعها الجماعات الإرهابية.
وتشير التحذيرات الواردة في التقرير إلى أن حماية الأطفال والشباب من محاولات الاستقطاب الرقمي أصبحت جزءًا مهمًا من جهود مكافحة الإرهاب، في ظل انتقال النشاط الدعائي للجماعات المتطرفة إلى مساحات رقمية جديدة، واستغلالها للتكنولوجيا والألعاب والمنصات البديلة للوصول إلى مستخدمين يصعب استهدافهم بالوسائل التقليدية.
وكشف التقرير في مجمله عن تغير واضح في أدوات الجماعات الإرهابية، التي أصبحت أكثر قدرة على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في نشر الدعاية والتجنيد وجمع الأموال والتخطيط، وهو ما يجعل تطوير السياسات والتشريعات وآليات الرصد والمواجهة أمرًا ضروريًا لمواكبة سرعة التحول في البيئة الرقمية، خاصة فيما يتعلق بالمنصات التي تحظى بإقبال واسع من الأطفال والشباب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

