رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كشفت الهجمات الحوثية الأخيرة على الأراضي السعودية عن اختبار حقيقي لما يُعرف بـ«حلف مكة»، الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان في إطار اتفاق للدفاع المشترك. فبينما تتعرض المملكة لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع الحلف الانتقال من اتفاق سياسي وأمني إلى آلية دفاع جماعي قادرة على الردع وتحقيق أهدافها؟

الهجمات الأخيرة رفعت مستوى التحدي بصورة مؤكدة. فقد أعلنت السعودية في ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ تعرض خط أنابيب «شرق-غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لهجمات متعددة بطائرات مسيّرة. وفي ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦، تم اعتراض مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، كما أعلنت في ١٩ سبتمبر اعتراض صاروخ باليستي استهدف الرياض. وتزامنت هذه الهجمات مع تصعيد أوسع للحوثيين وسيطرتهم على مناطق ومواقع استراتيجية في الساحل الغربي لليمن.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في «حلف مكة» حيث أن وجود الاتفاق لا يعني بالضرورة وجود استجابة عسكرية تلقائية. فالاتفاق، الذي وُقّع في أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان، لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالإجراءات القانونية والمؤسسية وآليات اتخاذ القرار والتنسيق العسكري. وتشير تحليلات منشورة إلى أن الاتفاق لا يمتلك بعد البنية المؤسسية والقدرات المشتركة التي تميز التحالفات العسكرية الراسخة.

والأكثر أهمية أن مصالح الدول الثلاث ليست متطابقة، فالسعودية تنظر إلى الهجمات الحوثية باعتبارها تهديداً مباشراً لأمن أراضيها ومنشآتها الحيوية، بينما قد ترى تركيا وباكستان أن الدخول العسكري المباشر في الحرب اليمنية يحمل تكلفة استراتيجية وسياسية كبيرة. ولذلك فإن الانتقال من التضامن السياسي إلى المشاركة العسكرية يظل قراراً أكثر تعقيداً.

وتزداد المشكلة وضوحاً عندما تضطر الرياض إلى طلب مساعدات دفاعية من خارج الحلف. فقد طلبت السعودية مؤخراً دعماً بريطانياً للتزود الجوي، بينما تتعامل الولايات المتحدة بحذر مع الانخراط العسكري المباشر في التصعيد اليمني. فوفقًا لتقارير حديثة، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من دونالد ترامب تدخلاً عسكرياً أميركياً ضد الحوثيين، لكن ترامب لم يوافق على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، واكتفى الجانب الأميركي، بحسب المصادر، بتقديم دعم في مجال المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف. في خطوة تكشف حدود المظلة الأمنية الأميركية وتضع «حلف مكة» أمام اختبار أكثر صعوبة.

لذلك، المشكلة ليست أن الحلف بلا جدوى، بل أن قيمته لم تُختبر بعد بصورة كاملة. فإذا تحولت تعهداته إلى تعاون عسكري واستخباراتي ودفاع جوي فعلي، يمكن أن يكتسب وزناً كبيراً. أما إذا استمرت الهجمات دون تحرك جماعي ملموس، فستزداد التساؤلات حول قدرته على الوفاء بمبدأ «الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعاً».

كما أن الاستجابة المشتركة لا يعني بالضرورة إرسال قوات برية أو شن حرب شاملة؛ فقد يأخذ شكل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفاع الجوي، والتدريب، والدعم اللوجستي أو الردع المشترك.

إن هجمات الحوثيين كشفت الفجوة بين مبدأ الحلف وقدرته العملية حتى الآن. فالقوة الحقيقية لأي تحالف لا تُقاس بعدد الدول الموقعة على وثيقته، وإنما بقدرته على تحويل الالتزامات السياسية إلى آليات محددة وسريعة عندما تتعرض إحدى دوله لتهديد مباشر. ولذلك فإن مستقبل هذا التحالف سيتحدد بقدر كبير بقدرته على تجاوز مرحلة الإعلان والتأسيس إلى بناء منظومة دفاع جماعي قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

في الختام، سيظل مستقبل الحلف مرتبطًا بقدرته على تحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات دفاعية ملموسة في مواجهة التصعيد الحوثي. فإذا نجح أعضاؤه في بناء تنسيق عسكري واستخباراتي مؤثر، يمكن أن يتحول إلى مظلة دفاع إقليمية؛ أما استمرار الهجمات دون تحرك جماعي واضح سيضعف الثقة بفعاليته ويكشف محدودية دوره. وإن غدًا لناظره قريب.