الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها.. الحكم الشرعي للتهرب من الدفع
كشفت دار الإفتاء المصرية حكم الامتناع عن تسلم الوجبات التي جرى إعدادها بناءً على طلب العميل، ثم التهرب من دفع ثمنها، مؤكدة أن الاتفاق بين العميل ومن يقوم بإعداد الطعام على تجهيز وجبات محددة وفق مواصفات متفق عليها يدخل في باب الاستصناع فيما اعتاد الناس طلب صناعته، وهو أمر جائز شرعًا، لكن إذا وفّى مُعد الطعام بما تم الاتفاق عليه، أصبح العقد ملزمًا للعميل، ولا يجوز له الامتناع عن تسلم الوجبات أو التهرب من سداد قيمتها بغير عذر.
ما حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها؟
وأوضحت دار الإفتاء المصرية، في فتوى صادرة عن فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن الاتفاق بين العميل والمرأة التي تقوم بإعداد الوجبات يُعد من باب الاستصناع فيما جرى التعامل به بين الناس، وهو عقد جائز شرعًا متى تم بالتراضي، وخلا من الغرر والجهالة، وتم تحديد المواصفات والشروط والثمن وموعد التسليم.
وأضافت أن المرأة إذا التزمت بإعداد الوجبات وفق المواصفات والأصناف والعدد المتفق عليه، وقامت بتجهيزها في الموعد المحدد، فإنها تكون قد أوفت بما عليها، ويثبت لها استحقاق المقابل المالي المتفق عليه.
هل يجوز للعميل التراجع عن طلبه؟
وأكدت دار الإفتاء أن الامتناع عن تسلم الوجبات بعد إعدادها وفق الشروط المتفق عليها، ثم التهرب من دفع ثمنها، لا يجوز شرعًا إذا كان ذلك بغير عذر؛ لأن العقد يصبح ملزمًا للعميل بعد وفاء الطرف الآخر بالتزامه.
وأشارت إلى أن تمكين العميل من التراجع عن طلبه في هذه الحالة قد يلحق ضررًا مباشرًا بمن أعد الطعام، خاصة أنه ربما يكون قد أنفق من ماله الخاص في شراء المكونات، وبذل وقته وجهده في إعداد الوجبات وتجهيزها وفق رغبات العميل ومواصفاته.
الطعام قد يتعرض للتلف.. فمن يتحمل الخسارة؟
وبيّنت دار الإفتاء أن الضرر يكون أشد في حالة الطعام؛ لأنه من الأشياء التي تتعرض للتلف سريعًا، بخلاف بعض المصنوعات التي يمكن الاحتفاظ بها مدة طويلة أو بيعها لشخص آخر.
فقد لا تجد المرأة عميلًا آخر يقبل شراء الوجبات بعد إعدادها وفق مواصفات العميل الأول، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع الطعام، فضلًا عن خسارة الأموال التي أنفقتها في شراء مكوناته، والجهد والوقت الذي بذلته في إعداده.
وأكدت أن الشريعة جاءت بدفع الضرر عن الناس، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وهو من القواعد المهمة في المعاملات التي تمنع إلحاق الأذى بالآخرين.
التهرب من الدفع صورة من الغدر
ولم تقف فتوى دار الإفتاء عند بيان الضرر المالي فقط، بل أكدت أن الامتناع عن تسلم الوجبات والتهرب من دفع ثمنها بعد تنفيذ الطلب يُعد كذلك ضربًا من الغدر ونكث العهد، وهو أمر محرم شرعًا.
واستندت دار الإفتاء إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، موضحة أن الأصل في معاملات الناس وعقودهم هو الوفاء بما التزموا به من عهود وشروط.
كما استشهدت بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ»، مؤكدة أن الغدر محرم، لما يتضمنه من نقض لما تم الالتزام به.
ما المقصود بعقد الاستصناع؟
وأوضحت دار الإفتاء أن الاستصناع هو اتفاق بين شخصين على أن يقوم أحدهما بصناعة شيء محدد للطرف الآخر مقابل عوض مالي معلوم، مع تحديد الصفات والمواصفات التي يتم الاتفاق عليها.
وينطبق ذلك على إعداد الطعام حسب الطلب عندما يتفق العميل مع من يقوم بإعداده على عدد الوجبات ومكوناتها وأصنافها وثمنها وموعد ومكان التسليم، ثم يلتزم مُعد الطعام بتنفيذ الطلب وفق تلك الشروط.
وقد نقلت دار الإفتاء عن الإمام ابن مازه في كتاب «المحيط البرهاني» قوله إن الاستصناع جائز في كل ما جرى التعامل فيه، وهو ما ينطبق على مثل هذه المعاملات التي اعتاد الناس طلبها.
متى يكون العميل ملزمًا بدفع ثمن الوجبات؟
وخلصت دار الإفتاء المصرية إلى أن الاتفاق على إعداد الوجبات وفق مواصفات وشروط محددة يُعد من باب الاستصناع الجائز شرعًا، فإذا أوفت المرأة بما تم الاتفاق عليه وأعدت الوجبات وفق الطلب، أصبح العقد ملزمًا للعميل.
وبناءً عليه، فإن الامتناع عن تسلم الوجبات والتهرب من دفع ثمنها بغير عذر شرعي يُعد محرمًا؛ لما يترتب عليه من إلحاق الضرر بمن أعد الطعام، وضياع المال والجهد والطعام، فضلًا عما يتضمنه هذا التصرف من غدر ونقض للعهد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض