هل يرث الأبناء أبحاث والدهم بعد وفاته؟.. حقوق الملكية الفكرية
أوضحت دار الإفتاء المصرية حكم حقوق الملكية الفكرية في الأعمال البحثية بعد الوفاة، ردًّا على سؤال ورد إليها بشأن رجل توفي وكان له حساب على أحد المواقع الإلكترونية، يضم مجموعة من أبحاثه الخاصة، وكان قد أطلع أحد أبنائه على الحساب والرقم السري قبل وفاته، متسائلًا: هل تدخل هذه الأبحاث ضمن التركة، أم تصبح ملكًا خاصًا للابن الذي كان يعلم بيانات الحساب؟
وأكدت دار الإفتاء أن الحقوق المالية للمؤلف تظل سارية طوال حياته، إضافة إلى خمسين سنة تبدأ من تاريخ وفاته، وأن حقوق الانتفاع بالأبحاث التي تركها المتوفى على أحد المواقع تُعد من جملة أمواله التي تدخل في تركته بعد وفاته، ومن ثم تنتقل إلى ورثته، ولا يختص بها أحد منهم دون باقي الورثة إلا إذا وجد سبب صحيح ناقل للملكية قبل الوفاة، كالبيع أو الهبة أو الوصية وغيرها.
حقوق الملكية الفكرية.. هل تعد مالًا شرعًا؟
أوضحت دار الإفتاء أن من المقاصد الكلية التي اعتنى بها الشرع الشريف حفظ المال وصونه عن الأذى، وكفالة حمايته من التعدي أو الإتلاف بغير وجه حق.
واستندت الدار إلى ما قرره حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «المستصفى» من أن مقصود الشرع من الخلق حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
وأشارت إلى أن من جملة أموال الناس ما يعرف بحقوق الملكية الفكرية والأدبية والفنية والتأليف وما يجري مجراها، والتي اصطلح على تسميتها بـ«الحقوق الذهنية»، موضحة أنها حقوق ثابتة لأصحابها شرعًا وعرفًا باعتبارها مالًا لهم.
ونقلت دار الإفتاء عن الإمام ابن سيده في «المحكم والمحيط الأعظم» أن المال هو ما يملكه الإنسان من الأشياء، كما نقلت عن العلامة المرتضى الزبيدي في «تاج العروس» أن الحق يطلق على المال والملك والموجود الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
المنافع والحقوق تدخل في مفهوم المال
وبينت دار الإفتاء أنه إذا أطلق لفظ المال فإنه يشمل الأعيان والمنافع والحقوق، باعتبار أن المنافع والحقوق أموال متقومة.
واستشهدت بما قرره عدد من الفقهاء، ومنهم العلامة المازري في «شرح التلقين»، الذي أوضح أن منافع الأعيان مما يصح العقد عليها بعوض، ولذلك تصح الإجارة فيها.
كما نقلت عن إمام الحرمين الجويني في «نهاية المطلب» أن المنافع غايتها أن تكون كالأعيان في المالية، وعن الإمام الرافعي في «الشرح الكبير» أن المنافع أموال كالأعيان.
وأشارت كذلك إلى ما ذكره الإمام ابن قدامة في «المغني» من أن المنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والإتلاف، ويكون عوضها عينًا ودينًا.
الأبحاث العلمية من الحقوق التي يحميها الشرع والقانون
وأوضحت دار الإفتاء أن الإنتاج الفكري والتأليف أصبح مما ينتفع به، ويحصل به الاختصاص الذي يمنع غير صاحبه من الانتفاع به دون إذنه، كما أصبح محلًا للتقويم والتداول والتعامل والمعاوضة بين الناس، خاصة مع تطور وسائل الطباعة والنشر والتكنولوجيا.
وبناءً على ذلك، فإن حقوق التأليف والأبحاث العلمية وغيرها من صور الإنتاج الفكري لها حكم المالية في تملك أصحابها لها واختصاصهم بها، طالما ثبتت ملكيتهم لها شرعًا وعرفًا وقانونًا.
كما أشارت دار الإفتاء إلى أن المشرع المصري أصدر قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، ونص في المادة 140 على حماية حقوق المؤلفين على مصنفاتهم الأدبية والفنية، ومن بينها الكتب والكتيبات والمقالات والنشرات وغيرها من المصنفات المكتوبة.
مدة حماية الحقوق المالية للمؤلف بعد وفاته
وأشارت دار الإفتاء إلى أن قانون حماية حقوق الملكية الفكرية نص في المادة 160 على أن الحقوق المالية للمؤلف تتمتع بالحماية طوال حياته ولمدة خمسين سنة تبدأ من تاريخ وفاته.
وبذلك فإن الحقوق المالية المرتبطة بالمؤلفات والأبحاث لا تنتهي بمجرد وفاة صاحبها، وإنما تستمر الحماية القانونية لها خلال المدة التي حددها القانون.
وأكدت الدار أن هذه الحقوق تظل مرتبطة بمالكها خلال حياته، ثم تنتقل بعد وفاته وفق الأحكام المنظمة للتركة، ما لم يكن قد نقلها إلى غيره قبل الوفاة بطريق صحيح.
هل إعطاء الابن كلمة السر يعني امتلاكه للأبحاث؟
وفي الحالة محل السؤال، أوضحت دار الإفتاء أن قيام الأب بإطلاع أحد أبنائه على الحساب الإلكتروني والرقم السري، أو السماح له بالاطلاع على أبحاثه وكتبه المحملة على المواقع الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعني أن الابن أصبح مالكًا لهذه الأبحاث دون بقية الورثة.
وأضافت أن السماح للابن بنشر الأبحاث أو تنظيمها وترتيبها أو إدارة الموقع وما يحتويه لا يساوي نقل ملكية الحقوق الفكرية إليه.
وأوضحت أن أقصى ما يدل عليه ذلك هو أن الأب قد ائتمن ابنه عليها في أثناء حياته، أما انتقال الملكية فيحتاج إلى سبب صحيح من أسباب التملك.
متى تنتقل الملكية من صاحبها إلى غيره؟
وأكدت دار الإفتاء أن الملكية لا تنتقل بمجرد الاطلاع أو الحيازة أو معرفة كلمة السر، وإنما لا بد من وجود سبب صحيح ناقل للملكية، مثل البيع أو الهبة أو الوصية أو الميراث وغيرها من الأسباب التي قررها الفقهاء.
ونقلت الدار عن الإمام الزيلعي في «تبيين الحقائق»، وعن العلامة الشلبي، ذكر عدد من أسباب الملك، ومنها الشراء والهبة والوصية والصدقة والقسمة والصلح.
كما نقلت عن الإمام الماوردي في «الحاوي الكبير» أن أسباب الملك متعددة، فتكون تارة بالشراء، وتارة بالميراث، وأخرى بالهبة أو الوصية أو الإحياء أو الغنيمة.
أبحاث المتوفى تدخل ضمن التركة
وبناءً على ذلك، قررت دار الإفتاء أن حقوق الملكية الفكرية والأدبية والفنية والأبحاث العلمية تعد من الحقوق الثابتة لأصحابها شرعًا وعرفًا وقانونًا.
فإذا توفي صاحب هذه الحقوق ولم يكن قد نقل ملكيتها أو حقوق الانتفاع بها إلى شخص آخر نقلًا صحيحًا قبل وفاته، فإنها تصبح جزءًا من تركته، وتعامل معاملة بقية الأموال والحقوق التي خلفها المتوفى.
وبالتالي، فإن حقوق الانتفاع بالأبحاث التي تركها والد السائل على أحد المواقع تدخل ضمن تركته بعد وفاته، ولا تكون ملكًا خاصًا للابن الذي كان يعرف بيانات الحساب.
كيف توزع حقوق الأبحاث بين الورثة؟
وأوضحت دار الإفتاء أن حقوق الانتفاع بالأبحاث تنتقل إلى الورثة، ويكون لكل وارث نصيبه المحدد شرعًا، ولا يجوز لأحدهم أن يستأثر بها دون بقية الورثة من غير وجود اختصاص صحيح ناقل للملكية قبل الوفاة.
واستندت الدار في ذلك إلى تعريفات الفقهاء للتركة، فنقلت عن الإمام ابن عابدين أن التركة هي ما تركه الميت من الأموال صافيًا عن تعلق حق الغير بعين من الأموال.
كما نقلت عن الإمام الحطاب أن الميراث هو حق قابل للتجزئة يثبت لمستحقه بعد موت من كان له، وعن الإمام الدميري أن التركة هي كل ما يخلفه الميت، وعن الإمام البهوتي أنها الحق المخلف عن الميت.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

