رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

النبي محمد.. شخصية عابرة لأربعة عشر قرنًا من أسئلة لا تنتهي

بوابة الوفد الإلكترونية

 

_ ​«من هو محمد؟».. إجابات شتى ولاتزال السيرة مفتوحة

 

_ ​«من ابن إسحاق إلى ابن هشام.. كيف تأسس النص الأول للسيرة النبوية؟»


_ ​«العدسات المتعددة.. كيف فكك العقاد "عبقرية" النبي من الداخل؟»


​_«عندما تصبح السيرة أدبًا.. سحر الحكاية في "هامش" طه حسين»


_ ​«السيرة بعين المؤرخ.. كيف أعاد هيكل صياغة البعثة في سياقها الاجتماعي؟»


_ ​«بين إنسانيات "خالد" وحرية "الشرقاوي".. قراءة جديدة للمواقف والنبي البشر»

 

_ ​«البطل باعتباره نبيًا».. كيف أنصف الفكر الغربي شخصية محمد؟

 

_«محمد والمسيح».. عندما تلتقي الرسالات السماوية في النظرة للإنسان


_من حفظ الذاكرة إلى صرامة المنهج.. رحلة تدوين السيرة النبوية
 

 

منذ السيرة الأولى، ظل كل جيل يفتح الصفحات القديمة بعين مختلفة؛ فيرى فيها النبي، والإنسان، والقائد، والمصلح، وصاحب الرسالة، لكن الأزمنة تبدلت والمناهج أيضا، وتعددت اللغات الباحثة، وتباينت نيات الكاتبين، بينما بقيت سيرة محمد قادرة على أن تمنح كل قارئ منها زاوية جديدة.
وبين ما كُتب بالمحبة والإيمان، وما كتب بعين المؤرخ والباحث والناقد، تمتد أربعة عشر قرنًا من الكتابة عن رجل غيّر مجرى التاريخ، وما زالت سيرته تفتح للكتب أبوابًا جديدة، وللكتّاب أسئلة لا تنتهي.

ولهذا فإن قراءة الكتب التي تناولت سيرة محمد ﷺ تكشف، إلى جانب حياة النبي، تاريخًا طويلًا من طرائق النظر إليه، لنكتشف في النهاية، أنها محاولة الإجابة عن سؤال بعينه: من هو محمد؟
وفي تقريرنا، نبحث معهم ونتأكد: هل توصل كل منهم لإجابة سؤاله؟


ابن إسحاق.. تدوين السيرة 
يُعد محمد بن إسحاق من أهم البدايات في تدوين السيرة النبوية، وقد ضاع كتابه الأصلي، لكن مادته وصلت بصورة أساسية من خلال تهذيب ابن هشام، ومصادر أخرى، مثل الطبري.
كانت مهمة ابن إسحاق في جوهرها جمع الروايات المتناثرة عن حياة النبي ووضعها في سياق متصل: النسب والمولد والنشأة، ثم البعثة والوحي، فالدعوة والهجرة، ثم الغزوات والوفاة.
ولذلك فإن ابن إسحاق لا يبحث عن «فكرة» مجردة عن محمد، بقدر ما يحاول أن يحفظ ذاكرة الجماعة الإسلامية عن نبيها.
وهنا تكمن قيمة البداية: فقد ولدت السيرة بوصفها محاولة لإنقاذ حياة الرسول من التفرق بين الروايات والحكايات والأخبار.


ابن هشام.. السيرة التي وصلت إلينا
ثم يأتي عبد الملك بن هشام، الذي أصبحت روايته لسيرة ابن إسحاق أشهر ما وصل إلينا من هذا التراث، لكن ابن هشام لم يكن مجرد ناسخ؛ فقد أعلن في مقدمته أنه اختار من رواية ابن إسحاق، وحذف منها أشياء رأى أن منها ما لا يتصل مباشرة بسيرة الرسول؛ وبذلك أصبح لدينا نص أكثر انتظامًا وأقرب إلى الصورة التي استقرت في الذاكرة الإسلامية.
ومن اللافت أن السيرة هنا تجمع بين الخاص والعام: محمد النبي، ومحمد الإنسان، ومحمد الزوج والأب والقائد والحاكم.
هكذا يقدم إنسانًا يتحرك داخل التاريخ ويصنعه.


ابن سعد وابن كثير.. تاريخ المسلمين
مع ابن سعد في «الطبقات الكبرى» اتسعت الدائرة؛ فحياة النبي  أصبحت مدخلًا إلى تاريخ الجيل الأول من المسلمين، ثم جاء ابن كثير في «السيرة النبوية» ضمن مشروعه التاريخي، فاستند إلى القرآن والحديث والروايات التاريخية، وأصبح الاشتغال بالسيرة أكثر اتصالًا بعلم الحديث والتاريخ ونقد الروايات، وهنا بدأ يتبلور سؤال: كيف نكتب حياة محمد؟ هل نجمع كل ما روي، أم ننتقي ونفاضل ونناقش؟

 

محمد عند المحدثين العرب والمستشرقين 
إذا كان علماء السيرة الأوائل قد كتبوا عن النبي خلال منظومة الإيمان والتاريخ الإسلامي، فإن القرن العشرين جاء بسؤال جديد: كيف نعيد تقديم محمد للقارئ الحديث؟
وهنا ظهرت مجموعة من الكتب، اختار كل مؤلف زاوية مختلفة تمامًا.


محمد حسين هيكل.. «حياة محمد» بعين المؤرخ الحديث
ويعد "حياة محمد" (الصادر 1935) من أبرز كتب السيرة الحديثة، وقد حاول هيكل أن يقترب من السيرة بأدوات البحث التاريخي الحديث، مع الاعتماد على أمهات المصادر الإسلامية ومراجعة مصادر عربية وأجنبية معاصرة.
وتكمن أهمية كتاب هيكل في طريقة بناء الصورة، فهيكل يريد أن يقول للقارئ الحديث إن سيرة محمد هي تاريخ يمكن قراءته وتحليله وفهم سياقاته؛ لذلك يبدأ من العرب قبل الإسلام، ومن الجغرافيا والمجتمع والاقتصاد والقبائل، ثم يضع البعثة في سياقها.
إنه يريد أن يجعل القارئ يرى كيف ظهر الإسلام في عالم كان يحتاج إلى تغيير، وكيف تحولت الدعوة من تجربة فردية في مكة إلى مجتمع ودولة في المدينة.
وهكذا فمحمد عند هيكل ليس فقط بطل السيرة؛ إنه مركز لحظة تاريخية كبرى غيّرت بنية المجتمع العربي ثم امتد أثرها إلى العالم.

 

العقاد.. مكتشف «العبقرية»
يتجلى في كتاب العقاد «عبقرية محمد» تحول جوهري، فهو  يقدم كتابه لإثبات عبقرية شخصية محمد ودوره في حياة البشر، لا المسلمين وحدهم؛ ولذلك اختار العقاد كلمة «العبقرية» عنوانًا، فهو يسأل: ما الذي جعل هذه الشخصية قادرة على حمل الرسالة، وقيادة الناس، وبناء الدولة، والتأثير في التاريخ؟
ولهذا قسم الكتاب إلى أبواب تكشف زوايا الشخصية: «عبقرية الداعي»، «عبقرية محمد العسكرية»، «عبقرية محمد السياسية»، «عبقرية محمد الإدارية»، ثم «الزوج»، و«الأب»، و«السيد»، و«العابد»، و«الرجل»، وصولًا إلى «محمد في التاريخ».
إذن فالعقاد يذهب إلى تحليل الشخصية من الداخل.
هو يريد أن يثبت أن عظمة محمد لا تقوم على جانب واحد؛ ولهذا يبدو الكتاب كمجموعة من العدسات المسلطة على الشخصية نفسها.

 

طه حسين.. حين تصبح السيرة أدبًا

في كتابه «على هامش السيرة» يعيد طه حسين استحضار عالم السيرة في لغة أدبية سردية، فهو لا ينافس ابن هشام في جمع الروايات، ولا هيكل في بناء المنهج التاريخي، ولا العقاد في تحليل العبقرية، لكنه يجعل السيرة مادة أدبية حية.
وهنا يصبح السؤال: ماذا لو عاد القارئ إلى طفولة محمد وشبابه وبيئته ومكة، بوصفها عالمًا يمكن أن نراه ونحسه؟
وهنا يكمن سر جاذبية «على هامش السيرة»، فطه حسين استطاع أن يعيد للسيرة سحر الحكاية.

 

خالد محمد خالد.. «إنسانيات محمد»

اختار خالد محمد خالد أن يقترب من محمد عبر الإنسان الذي تكشفه المواقف؛ ففي «إنسانيات محمد» ينتقي من أحاديث الرسول وتصرفاته ما يضيء رحمته وتواضعه وعلاقته بالناس، مؤكدًا أن أفعاله أبلغ في الكشف عن إنسانيته من مجرد سرد أخباره، ثم يغير زاوية النظر في «عشرة أيام في حياة الرسول»، فيختار عشر محطات من حياته، من «يوم التحكيم» و«يوم الوحي» إلى الطائف والعقبة والحديبية والفتح والوداع،  باعتبار «اليوم» موقفًا تتجلى من خلاله خصائص الشخصية النبوية وأسرارها؛ ولذلك يقول في مقدمة الكتاب إنه اختار هذه الأيام "لنرى خلال مشاهدها المفعمة بالتركيز بعض خصائص التفوق الذي حبا الله به شخصية الرسول"، أما في «محمد والمسيح»، فيتجاوز السيرة المباشرة إلى مقارنة الرسالتين في نظرتهما للإنسان والحياة.
وهكذا يبدو محمد عند خالد محمد خالد نبيًا وإنسانًا في آن؛ لا يكتفي هنا بقص ما فعله، بقدر ما يبحث عما تكشفه أفعاله من الرحمة والحكمة.

 

عبد الرحمن الشرقاوي.. «محمد رسول الحرية»
يبدو هنا عبد الرحمن الشرقاوي باحثًا عن كلمة الحرية.
والشرقاوي لا يكتب السيرة بالطريقة التاريخية التقليدية؛ وإنما يحولها إلى مشاهد درامية، فهو يأخذ القارئ إلى مراحل الحياة، ويجعل القارئ يعيش المشهد بدلا من أن يتلقى المعلومة.
أراد الشرقاوي أن يقدم محمدًا باعتباره نموذجًا للإنسان الذي يحمل قيم الحرية والعدالة والمساواة والرحمة والسلام.
ولهذا كان العنوان الفرعي الذي ارتبط بالكتاب شديد الدلالة: «إنما أنا بشر مثلكم».
ومن هنا كان الخلاف حول الكتاب أيضًا؛ فقد رأى بعض منتقديه أن الشرقاوي ركز على الجانب الإنساني على حساب البعد النبوي، حتى وصف تقرير لمحمد أبو زهرة منهجه بأنه يدرس محمدًا «على أنه رجل عظيم له آراء اجتماعية».
لكن هذه النقطة بالذات تجعل الكتاب مهمًا في تاريخ الكتابة عن محمد؛ لأنه يقدم قراءة أدبية إنسانية ذات خلفية اجتماعية وفكرية واضحة.

 

توماس كارليل – «الأبطال»
في كتابه "الأبطال وعبادتهم" الذي تناول فيه «البطل باعتباره نبيًا»، رفض كارليل الصورة الأوروبية التي قدمت محمدًا بوصفه محتالًا أو مدعيًا، ورأى أن تأثيره التاريخي لا يمكن تفسيره بالخداع. وكانت أهميته في أنه كسر الصورة العدائية القديمة ولفت إلى عظمة الشخصية وتأثيرها التاريخي.


ويليام موير – «حياة محمد»
يمثل موير مرحلة الاستشراق النقدي في القرن التاسع عشر؛ فقد اهتم بجمع المصادر العربية وفحص الروايات ونقدها، ونظر إلى محمد باعتباره شخصية تاريخية تخضع للدراسة النقدية، مع بقاء قضية الوحي والنبوة موضع اختلاف جوهري بين رؤيته والمنظور الإسلامي.
مونتجمري وات – «محمد النبي ورجل الدولة»
يرى وات محمدًا في مستويين متكاملين: النبي صاحب الرسالة، والقائد الذي استطاع بناء جماعة ودولة؛ ولذلك نراه قد اهتم بتفسير قدرته على إحداث تحول سياسي واجتماعي كبير في الجزيرة العربية.


مارتن لينجز – «محمد رسول الرحمة»
اقترب لينجز بدرجة كبيرة من المصادر العربية المبكرة، وأعاد بناء السيرة في سرد متماسك، مع إبراز الجانب الروحي والإنساني للنبي، ولذلك تختلف نبرة كتابه عن كثير من الكتابات الاستشراقية النقدية القديمة.


شون أنتوني – «محمد وإمبراطوريات الإيمان»
 

يمثل أنتوني اتجاهًا أحدث في دراسة السيرة، إذ يقرأ المصادر الإسلامية وغير الإسلامية معًا، ويحاول وضع حياة النبي في سياق الشرق الأدنى في أواخر العصور القديمة.

 

ختامًا، ربما لا تكمن أهمية هذا التراث الضخم في أنه أعاد رواية حياة محمد ﷺ مرات لا تحصى، وإنما في أنه يكشف كيف تغيرت أسئلة البشر عنه بينما بقي هو حاضرًا في قلبها، فمن بحث عن النبي رأى النبي، ومن بحث عن الإنسان رأى إنسانيته، ومن بحث عن القائد رأى قيادته، ومن بحث عن المصلح رأى مشروعه، ومن بحث عن صانع التاريخ رأى أثره. 
وهكذا لا يقول كل كتاب عن محمد شيئًا عنه وحده؛ بل يقول أيضًا شيئًا عن الكاتب وعصره والأسئلة التي جاء بها إلى السيرة، ومع كل قراءة جديدة، تظل السيرة مفتوحة على سؤال جديد، وكأن أربعة عشر قرنًا لم تكن كافية بعد لقول الكلمة الأخيرة.