الخبير العالمي أحمد أبوسيد في حوار شامل لـ«الوفد»: باطن الأرض والبحر الأحمر ثروة جديدة لمصر
خبير عالمي: «الضبعة» نقلة استراتيجية لمستقبل الطاقة المصرية والكوادر والسلامة مفتاح نجاح المشروع
أبوسيد: مصر ليست خارج نطاق النشاط الزلزالي.. والبحر الأحمر يحتاج إلى رصد ودراسات مستمرة
في ظل التحولات العالمية المتسارعة في مجالات الطاقة والمناخ والاقتصاد الأخضر، تتجه الأنظار إلى الحلول العلمية والتكنولوجية التي يمكن أن تساعد الدول على تحقيق التنمية المستدامة، بالتوازي مع خفض الانبعاثات والاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية.
وفي هذا الحوار، يكشف الدكتور أحمد أبوسيد، الخبير العالمي في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ بالولايات المتحدة الأمريكية، تفاصيل رحلته العلمية، وأبرز التجارب التي شارك فيها، ورؤيته لمستقبل الطاقة والاقتصاد الأخضر في مصر، إلى جانب فرص الاستفادة من المخلفات والاعتمادات الكربونية، وإمكانات التخزين الجيولوجي لثاني أكسيد الكربون، والطاقة الجيوحرارية.

ويمتلك الدكتور أحمد أبوسيد، مسيرة علمية ومهنية امتدت من الهندسة والكمبيوتر والأتمتة إلى البترول والغاز وميكانيكا الصخور والجيوميكانيكا والبيئة والمناخ، وخلال سنوات عمله شارك في أبحاث ومشروعات مرتبطة بزيادة إنتاج البترول والغاز، والتكسير الهيدروليكي، والتنبؤ بالزلازل، والتخزين الجيولوجي للكربون والطاقة الجيوحرارية.
في البداية، ما أبرز إنجاز علمي حققته خلال مسيرتك، وما الذي يجعله مهمًا على المستوى الدولي؟
من أهم التجارب في مسيرتي العمل الذي ارتبط بزيادة إنتاج البترول والغاز من الآبار، خصوصًا عندما بدأت الولايات المتحدة تبحث في السبعينيات عن طرق لزيادة إنتاجها من الطاقة، في ذلك الوقت ظهرت أفكار لاستخدام التفجيرات تحت الأرض لإحداث شقوق في الصخور حتى يتحرك البترول والغاز بصورة أسرع، لكن المشكلة كانت أن الحرارة الناتجة عن التفجيرات تؤدي إلى صهر الصخور وإغلاق المسام بدلًا من تحسين الإنتاج.
وشاركت في لجنة درست كيفية كسر الصخور دون صهرها، وانتهينا إلى توصيات باستخدام الضغط العالي والمضخات بدلًا من القنابل، وهو ما ارتبط بتطوير واستخدام التكسير الهيدروليكي، وهذا النوع من التكنولوجيا ساهم لاحقًا في زيادة كبيرة في إنتاج الولايات المتحدة من البترول والغاز، وكان أحد العوامل التي ساعدت الولايات المتحدة على الانتقال من دولة مستوردة للطاقة إلى دولة منتجة ومصدرة.
هل ترى أن هناك تعاونًا كافيًا بين العلماء المصريين بالخارج والجامعات والمراكز البحثية داخل مصر؟ وكيف يمكن الاستفادة بصورة أكبر من هذه الخبرات؟
لدينا علماء وخبراء مصريون في الخارج يستطيعون تقديم الكثير لمصر، لكن المشكلة ليست في نقص الخبرات، وإنما في غياب آلية مستدامة ومنظمة للاستفادة منها وتحويلها إلى مشروعات حقيقية، وأنا شخصيًا طرحت مشروعات على جهات داخل مصر، لكن أحيانًا تواجه الأفكار مشكلة أن كل جهة تنظر إليها من زاوية اختصاصها فقط، بينما بعض المشروعات تحتاج إلى تكامل أكثر من جهة.
وأرى أن مصر تحتاج إلى لجنة أو هيئة مستقلة تضم علماء وخبراء مصريين بالخارج، يتم اختيارهم وفق الإنجاز والخبرة الحقيقية، وليس العلاقات أو المناصب، ويمكن لهذه المنظومة الاستفادة من المتخصصين في الطاقة والصناعة والبيئة والهندسة والاقتصاد وغيرها.
ونحن نستطيع تقديم التكنولوجيا والخبرة والدراسات والمشروعات الجاهزة للتنفيذ، لكن لا بد من وجود جهة مصرية تتولى تحويل هذه الأفكار إلى مشروعات، لأن دور الخبير هو تقديم المعرفة والتكنولوجيا والمساعدة في التصميم والدراسة، بينما يأتي دور الدولة والقطاع الخاص في التمويل والتنفيذ.
كما يمكن إنشاء شبكة دائمة للعلماء المصريين بالخارج وتقسيمها إلى مجموعات إقليمية مثل أوروبا والأمريكتين وشرق آسيا، بحيث تحصر كل مجموعة الخبرات والمشروعات التي يمكن نقلها إلى مصر، ثم يتم تجميعها في قوائم واضحة للمشروعات القابلة للتنفيذ، بهذه الطريقة ننتقل من مجرد التواصل مع العلماء إلى استثمار حقيقي ومنظم للثروة العلمية المصرية في الخارج.

بعد سنوات من العمل في مجال الطاقة وإدارة المخلفات.. كيف تقيّم وضع مصر في ملف الاقتصاد الأخضر؟
مصر تمتلك فرصة حقيقية في ملف الاقتصاد الأخضر، لكن التحدي الأساسي يكمن في توسيع مفهومه وعدم اختزاله في مشروعات مثل زراعة الأشجار أو استخدام الطاقة الشمسية، فالمعيار الأهم لأي مشروع يجب أن يكون مدى مساهمته الفعلية في خفض البصمة الكربونية، وهو ما يتطلب تقييمًا علميًا دقيقًا للانبعاثات قبل المشروع وبعده، ورغم تعدد المبادرات في مصر، فإن منظومة القياس العلمي لنتائج مشروعات الاقتصاد الأخضر ما زالت بحاجة إلى مزيد من التطوير.
ومن النماذج المهمة في هذا السياق مشروعات معالجة المخلفات التي تستهدف منع انبعاث الكربون إلى الغلاف الجوي، ثم قياس كمية الانبعاثات التي تم تجنبها وفقًا لقواعد ومعايير معتمدة، بما يسمح بتحويل هذه التخفيضات إلى أرصدة كربونية قابلة للتداول، ويؤكد هذا النموذج أن القيمة البيئية للمشروع لا تُقاس بمجرد تصنيفه كمشروع «أخضر»، وإنما بحجم الأثر المناخي الذي يمكن إثباته بالأرقام.
وفي ملف تخزين الكربون، فإن تحديد المواقع المناسبة يحتاج إلى بيانات جيولوجية تفصيلية ودراسات ومسوح وحفر آبار للتأكد من خصائص التكوينات الجيولوجية وقدرتها على التخزين، وهنا يبرز تحدٍ إضافي في مصر، يتمثل في أن جزءًا مهمًا من البيانات الجيولوجية يرتبط بقطاع البترول، وقد لا يكون متاحًا بصورة مفتوحة للباحثين والمستثمرين، ولذلك تحتاج مصر إلى آلية أكثر وضوحًا لإتاحة هذه البيانات، بما يدعم البحث والاستثمار ويساعد على تحويل فرص الاقتصاد الأخضر إلى مشروعات قابلة للقياس والإثبات والتوسع.
بعد إنشاء بورصة الكربون المصرية، أين ترى نقاط القوة والضعف في السوق المصرية؟
إنشاء بورصة الكربون المصرية يمثل خطوة مهمة جدًا ويفتح الباب أمام سوق واعدة، لكن البورصة في حد ذاتها لا تكفي لضمان نجاح السوق. فلكي تعمل بشكل حقيقي، لا بد من وجود منظومة متكاملة تضم منتجين قادرين على إصدار الاعتمادات الكربونية، ومشترين لديهم رغبة فعلية في الحصول عليها، إلى جانب قواعد واضحة للقياس والتحقق والتداول.
ومن أهم نقاط القوة أن مصر بدأت في بناء سوق منظمة للاعتمادات الكربونية، بما يمكن أن يخلق فرصًا جديدة للاستثمار ويدعم مشروعات خفض الانبعاثات، أما التحدي الأساسي فيتمثل في ضعف الوعي لدى الشركات والمواطنين بمفهوم الكربون باعتباره سلعة لها قيمة اقتصادية، وكيفية إنتاج الاعتمادات وقياسها وتداولها.
لذلك، فإن نجاح السوق يحتاج إلى دور أكبر من الحكومة والوزارات المعنية ووسائل الإعلام في توعية المجتمع وشرح آليات السوق وأهمية الاعتمادات الكربونية، فالمطلوب ليس مجرد إنشاء البورصة وانتظار السوق حتى يعمل تلقائيًا، وإنما بناء منظومة متكاملة تبدأ من القياس والتحقق، مرورًا بإنتاج وتسويق الاعتمادات، وصولًا إلى عمليات الشراء والبيع والتداول، وعند اكتمال هذه المنظومة، يمكن لبورصة الكربون أن تتحول من مجرد منصة تداول إلى أداة حقيقية لدعم الاقتصاد الأخضر في مصر.
هل يمكن أن تصبح تجارة الكربون مصدرًا للعملة الصعبة لمصر؟
نعم، هناك فرصة حقيقية لأن تتحول تجارة الكربون إلى مصدر جديد للعملة الصعبة لمصر، خاصة إذا نجحت الدولة في استغلال إمكانياتها الجيولوجية وتنفيذ مشروعات كبيرة لاحتجاز وتخزين الكربون، وتتمتع مصر بميزة مهمة في هذا المجال، وهي إمكانية التعامل مع باطن الأرض على مستوى مركزي، بما قد يقلل من التعقيدات المرتبطة بملكية الأراضي وباطنها، وهي تحديات تواجه بعض المشروعات في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب الانتقال من الإمكانات النظرية إلى مشروعات فعلية تستطيع قياس كمية الكربون المخزنة وإثباتها وفق معايير دولية معتمدة، وعندها يمكن تحويل هذه الكميات إلى اعتمادات كربونية وطرحها في الأسواق الدولية، بما يفتح أمام مصر مصدرًا جديدًا للإيرادات بالعملة الصعبة، إلى جانب دعم الاستثمارات في مشروعات خفض الانبعاثات والاقتصاد الأخضر.
ما الذي تحتاجه الدولة تحديدًا لتسهيل دخول المستثمرين في مشروعات الاقتصاد الأخضر؟
نحتاج أولًا إلى وضوح القواعد والإجراءات، وتحديد جهة مسؤولة عن كل مشروع، إلى جانب سرعة اتخاذ القرار وتوفير حوافز تشجع الاستثمار، كما يجب أن ندرك أن مشروعات الاقتصاد الأخضر ليست كلها متشابهة؛ فهناك مشروعات تجارية يمكن أن تحقق أرباحًا مباشرة، وهناك مشروعات بيئية قد تحتاج إلى فترة أطول حتى تحقق عائدًا للمستثمر، رغم أنها تحقق عائدًا قوميًّا وبيئيًّا كبيرًا.
ومن هنا يأتي دور الدولة في المراحل الأولى، من خلال المشاركة في تحمل جزء من المخاطر وتوفير البيئة التنظيمية المناسبة، وعندما تصبح التكنولوجيا والسوق والتكاليف أكثر وضوحًا، يمكن للقطاع الخاص أن يأخذ الدور الأكبر في التوسع.
تحدثت عن إمكانات مصر في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الجيوحرارية، أي من هذه المصادر ترى أنه لم يحصل على الاهتمام الكافي؟
أرى أن الطاقة الجيوحرارية لم تحصل حتى الآن على الاهتمام الذي يتناسب مع إمكاناتها. الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أصبحتا من المصادر المعروفة والمهمة، لكن هناك طبيعة متذبذبة لهذين المصدرين؛ فالشمس لا تكون متاحة طوال اليوم، والرياح تختلف من وقت إلى آخر، أما الطاقة الموجودة في باطن الأرض فهي مصدر مستمر، وإذا كانت الظروف الجيولوجية مناسبة، يمكن استغلال الحرارة الموجودة تحت الأرض لإنتاج الكهرباء بصورة مستمرة. ولذلك يمكن أن تكون الطاقة الجيوحرارية مكملًا مهمًا لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى، وليس بالضرورة بديلًا عنها.

أشرت إلى الإمكانات الجيوحرارية في منطقة البحر الأحمر.. ما حجم هذه الثروة؟ وهل يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى مصدر حقيقي للطاقة في مصر؟
منطقة البحر الأحمر تتمتع بأهمية جيولوجية كبيرة، إذ يوجد بها شق جيولوجي عميق، كما أن معدل ارتفاع درجة الحرارة مع العمق في بعض المناطق يمكن أن يكون أعلى من المعدلات المعتادة، وفي بعض المواقع قد ترتفع الحرارة بنحو ثلاث درجات مئوية لكل مائة متر.
وهذا يعني أنه عند الوصول إلى أعماق كبيرة يمكن الوصول إلى درجات حرارة تسمح باستخدام المياه الساخنة أو البخار في تشغيل التوربينات وإنتاج الطاقة، وهذه ليست فكرة نظرية فقط، إذ تستخدم الطاقة الجيوحرارية بالفعل في دول مثل آيسلندا ونيوزيلندا والفلبين، ولذلك أرى أن منطقة البحر الأحمر تستحق دراسات علمية أكثر عمقًا لتحديد حجم الإمكانات وإمكانية استغلالها اقتصاديًا.
ما أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه مصر في التعامل مع ملف التغير المناخي والطاقة خلال السنوات العشر المقبلة؟
أخطر خطأ هو أن نتعامل مع التغير المناخي والاقتصاد الأخضر بالشعارات بدلًا من الحساب العلمي، لا يكفي أن نقول إن مشروعًا ما أخضر، أو أننا زرعنا أشجارًا أو استخدمنا الطاقة الشمسية؛ يجب أن نعرف بشكل دقيق كم طنًا من الكربون تم خفضه، وماذا حدث للانبعاثات، وهل حقق المشروع قيمة اقتصادية حقيقية، الاقتصاد الأخضر في النهاية يجب أن يقوم على الأرقام والنتائج، وكل مشروع يجب أن يخضع لتقييم علمي يحدد أثره الحقيقي على الانبعاثات، لأن الهدف ليس تغيير اسم المشروع أو شكله، وإنما تحقيق خفض فعلي في البصمة الكربونية يمكن قياسه وإثباته.
ما احتمالات تعرض مصر لزلازل قوية؟
مصر لا تقع مباشرة ضمن أكثر مناطق الحزام الزلزالي نشاطًا في المنطقة، مثل بعض المناطق في تركيا والمناطق المحيطة بها، لكن هذا لا يعني أنها خالية تمامًا من النشاط الزلزالي أو المخاطر الجيولوجية، فهناك مناطق مصرية تشهد نشاطًا زلزاليًا من وقت لآخر، وتختلف درجة الخطورة من منطقة إلى أخرى وفقًا لطبيعتها الجيولوجية والتكتونية.
وتُعد منطقة البحر الأحمر من أبرز المناطق التي تستحق الاهتمام، نظرًا لطبيعتها الجيولوجية وحركتها التكتونية، وهو ما يجعلها أكثر نشاطًا من بعض المناطق الأخرى في مصر، لذلك لا يمكن تقييم احتمالات الزلازل من خلال النظر إلى هزة واحدة أو حادث منفرد، وإنما يجب دراسة النشاط الزلزالي في إطار الصورة الجيولوجية الكاملة للمنطقة.
والأهم هو الاعتماد على شبكات الرصد الزلزالي والبيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية لتحديد مستويات المخاطر بدقة، وبالنسبة للمشروعات التي تتضمن ضخ المياه أو الغازات وتخزينها في باطن الأرض، يجب إجراء دراسات تفصيلية قبل اختيار الموقع، ثم مراقبة الضغط والنشاط الزلزالي بصورة مستمرة أثناء التشغيل، لأن مستوى المخاطر لا يتحدد بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالموقع وطبيعة التكوينات الصخرية وطريقة تنفيذ عمليات الحقن والتخزين.

تحدثت سابقًا عن مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر على السواحل المصرية، ما السيناريو الأكثر خطورة الذي يجب أن تستعد له مصر؟
ارتفاع مستوى سطح البحر يمثل خطرًا مناخيًا حقيقيًا على مصر، خاصة في المناطق الساحلية المنخفضة والقريبة من مستوى البحر، وعلى رأسها دلتا النيل والإسكندرية والساحل الشمالي. ولا تتوقف خطورة الظاهرة عند احتمالات غمر بعض الأراضي بالمياه، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى التربة والمنشآت والبنية التحتية والأنشطة الزراعية والعمرانية، كما أن زيادة الرطوبة وتغير خصائص التربة والمياه الجوفية قد تفرض تحديات إضافية على المناطق الساحلية.
وتحتاج مصر إلى التعامل مع هذا الملف من خلال الاستعداد المبكر والتخطيط طويل الأجل، وليس انتظار ظهور الآثار بصورة واضحة ثم البحث عن حلول، ويشمل ذلك دراسة المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر، ومراقبة التغيرات في الشواطئ والتربة والمياه الجوفية، وتحديث خرائط المخاطر، إلى جانب تطوير البنية التحتية ومشروعات حماية السواحل بما يتناسب مع طبيعة كل منطقة.
كما أن حماية السواحل لا تعني فقط إقامة الحواجز والمشروعات الهندسية، وإنما تتطلب رؤية متكاملة تشمل التخطيط العمراني، وتنظيم استخدامات الأراضي، وتحسين شبكات الصرف، وحماية المناطق الطبيعية، والتأكد من أن المباني والطرق والمرافق الجديدة تأخذ في الاعتبار السيناريوهات المناخية المستقبلية.
وتكتسب دلتا النيل أهمية خاصة، باعتبارها منطقة ذات ثقل سكاني وزراعي واقتصادي كبير، وبالتالي فإن حمايتها من آثار ارتفاع مستوى البحر ليست قضية بيئية فقط، وإنما ترتبط بالأمن الغذائي والاقتصادي والعمراني لمصر، وفي النهاية، فإن أفضل وسيلة للتعامل مع هذا التحدي هي بناء منظومة مستمرة للتكيف المناخي تعتمد على العلم والبيانات والتخطيط المبكر، لأن تكلفة الاستعداد للمخاطر قبل تفاقمها تظل أقل من تكلفة التعامل معها بعد وقوعها.
تمتلك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، كيف يمكن تحويل هذه الميزة الطبيعية إلى فرصة اقتصادية حقيقية؟
مصر تمتلك واحدة من أهم المقومات الطبيعية التي يمكن أن تجعلها لاعبًا رئيسيًا في مستقبل الطاقة المتجددة، بفضل موقعها الجغرافي وارتفاع معدلات سطوع الشمس على مدار العام، إلى جانب المساحات الصحراوية الواسعة القابلة لإقامة مشروعات الطاقة الشمسية، وهذه الميزة لا ينبغي أن تقتصر على إنتاج الكهرباء للاستهلاك المحلي، وإنما يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية واستثمارية متكاملة تخدم مصر وتمتد إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية.
والصحراء المصرية تمثل في هذا السياق ثروة اقتصادية حقيقية إذا جرى استغلالها وفق دراسات علمية واقتصادية دقيقة، فإقامة مشروعات شمسية واسعة النطاق يمكن أن تساهم في زيادة إنتاج الطاقة النظيفة وتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، إلى جانب جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل وتوطين صناعات وخدمات مرتبطة بالطاقة المتجددة، مثل التشغيل والصيانة والخدمات الهندسية وتصنيع وتجميع بعض مكونات المشروعات وتطوير تقنيات تخزين الطاقة.
كما أن موقع مصر الاستراتيجي يمنحها فرصة تتجاوز حدود السوق المحلية، إذ تقع في نقطة تربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما يفتح المجال أمام دراسة فرص تبادل وتصدير الطاقة النظيفة، خاصة مع تطور شبكات الربط الكهربائي وارتفاع الطلب العالمي على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، كما أن منطقة شمال أفريقيا بشكل عام تمتلك إمكانات شمسية ضخمة يمكن أن تدعم مزيدًا من التعاون الإقليمي في مجال الطاقة النظيفة.
لكن النجاح لا يعتمد على توافر الشمس والمساحات فقط؛ فهناك حاجة إلى تطوير شبكات الكهرباء والبنية التحتية، واختيار المواقع وفق دراسات دقيقة، ووضع إطار اقتصادي واستثماري واضح يضمن أسعارًا وآليات تعاقد عادلة بين الدولة والمستثمر والمستهلك، كما يجب ربط مشروعات الطاقة الشمسية بخطط التنمية والصناعة والنقل والتصدير، حتى لا نكتفي بإنتاج الكهرباء وإنما نبني حولها منظومة اقتصادية متكاملة.

لماذا لم تحقق تجربة شراء الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية من المواطنين والمستثمرين النتائج المتوقعة؟ وهل يمكن إعادة إحياء هذا النموذج في مصر؟
الفكرة في الأساس كانت جيدة، وكنت قد طرحتها خلال لقاء مع الرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2014، بالاستفادة من تجربة ولاية كاليفورنيا، التي تتيح للمواطنين والمستثمرين إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وبيعها إلى شبكة الكهرباء، والهدف كان تشجيع الاستثمار في الطاقة النظيفة وإضافة قدرات جديدة إلى الشبكة دون أن تتحمل الدولة وحدها تكلفة إنشاء محطات جديدة.
لكن المشكلة ظهرت في المعادلة الاقتصادية، فقد تم تحديد سعر لشراء الكهرباء الشمسية بنحو 92 قرشًا للكيلووات ساعة، وكان هذا السعر مناسبًا في وقت وضعه، لكن بعد ذلك تغير سعر الدولار وارتفعت تكلفة المعدات المستوردة، بينما ظل سعر بيع الكهرباء محددًا بالجنيه، وبالتالي أصبحت تكلفة إنشاء المشروع أعلى بكثير، ولم يعد السعر المحدد يحقق للمستثمر الجدوى الاقتصادية نفسها.
وهنا يجب أن نفهم أن المستثمر لا ينظر إلى سعر بيع الكهرباء فقط، وإنما يحسب تكلفة المعدات والتمويل والتشغيل والصيانة، ثم يقارنها بالعائد وفترة استرداد رأس المال، فإذا تغيرت تكلفة المشروع بصورة كبيرة ولم يتغير سعر شراء الكهرباء، تصبح المعادلة أقل جاذبية.
لذلك أنا لا أرى أن المشكلة كانت في فكرة شراء الكهرباء الشمسية من المواطنين والمستثمرين، وإنما في الحاجة إلى آلية تسعير أكثر مرونة تتعامل مع تغير سعر الصرف وتكلفة المعدات والظروف الاقتصادية، فإذا وُضعت قواعد مستقرة وسعر عادل يحقق التوازن بين المستثمر والدولة والمستهلك، فمن الممكن أن تعود هذه التجربة وتحقق نتائج أفضل، خاصة أن الطاقة الشمسية يمكن أن تضيف قدرات إنتاجية جديدة إلى الشبكة وتساعد على التوسع في الطاقة النظيفة.
كيف يمكن أن يمثل مشروع محطة الضبعة النووية نقلة مهمة في مستقبل الطاقة المصرية؟
مشروع محطة الضبعة النووية يمكن أن يمثل نقلة مهمة في منظومة الطاقة المصرية، ليس فقط لأنه سيضيف مصدرًا جديدًا وكبيرًا لتوليد الكهرباء، ولكن لأن الطاقة النووية يمكن أن تكون عنصرًا أساسيًا ضمن مزيج متنوع من مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
فالطاقة النووية تتميز بقدرتها على إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء بصورة مستقرة، مع انبعاثات كربونية منخفضة مقارنة بمحطات الكهرباء التي تعتمد على الوقود الأحفوري، وبالتالي يمكن أن تسهم في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي ودعم توجه مصر نحو اقتصاد أكثر استدامة.
لكن نجاح مشروع الضبعة لا يرتبط فقط بإنشاء المحطة وتشغيلها، وإنما يعتمد على بناء منظومة متكاملة لإدارة المشروع طوال دورة حياته، تبدأ بتدريب وتأهيل الكوادر المصرية، وتستمر من خلال التشغيل والصيانة وإدارة المخاطر، وصولًا إلى التعامل الآمن مع النفايات النووية والتخطيط للمراحل المستقبلية.
وأعتقد أن العنصر البشري سيكون من أهم عوامل نجاح المشروع، لأن امتلاك محطة نووية متقدمة يحتاج إلى كوادر مصرية مؤهلة وقادرة على تشغيلها وإدارتها وفق أعلى معايير السلامة، إلى جانب وجود أنظمة رقابة وصيانة وإدارة مخاطر على أعلى مستوى.
ما الأولويات التي يجب أن تركز عليها مصر في قطاعي الصناعة والسياحة لتحقيق أكبر استفادة من إمكاناتها؟
في قطاع الصناعة، الأولوية يجب أن تكون في كثير من الحالات لتشغيل المصانع القائمة ورفع كفاءتها قبل التفكير في إنشاء مصانع جديدة، فإذا كان لدينا مصنع قائم ولا يعمل بكامل طاقته، فمن الأفضل أولًا معرفة أسباب التعثر، سواء كانت مرتبطة بالتمويل أو الإدارة أو المعدات أو نقص مستلزمات الإنتاج، والعمل على إزالة هذه العقبات وإعادة المصنع إلى طاقته الإنتاجية.
وهذا يحقق استفادة أكبر من الاستثمارات التي تم ضخها بالفعل في هذه المصانع، بدلًا من توجيه أموال جديدة لإنشاء أصول أخرى بينما توجد طاقات إنتاجية غير مستغلة، وبعد استغلال الأصول القائمة بكفاءة، يمكن التوسع في إنشاء مصانع جديدة عندما تكون هناك حاجة حقيقية إلى طاقات إنتاجية إضافية.
أما في السياحة، فمصر تمتلك منتجًا سياحيًا عالميًا ومقومات لا تحتاج إلى تعريف، لكن المطلوب هو تطوير التجربة التي يعيشها السائح منذ وصوله إلى مصر وحتى مغادرته، فالسائح لا يقيم الأثر أو الفندق وحده، وإنما يقيم المطار، والنقل، والإقامة، والمطاعم، والخدمات، والأسعار، وطريقة التعامل معه، ولذلك فإن وضوح الأسعار والرقابة وتطبيق القانون من أهم الأمور التي يجب العمل عليها.
وبالتالي يعلم السائح تكلفة الخدمة مسبقًا، ويحصل على إيصال رسمي، ولا يتعرض لاختلاف الأسعار أو محاولات الاستغلال، فإذا نجحت مصر في الجمع بين قوة المنتج السياحي وجودة الخدمة والانضباط في التعامل، يمكنها تحقيق عوائد أكبر والحفاظ على السائح وتشجيعه على تكرار الزيارة.

إذا طلبنا منك ثلاثة قرارات عاجلة لمستقبل الطاقة والمناخ في مصر، ماذا تقول؟
أرى أن مصر تحتاج إلى منظومة متكاملة تربط العلم بالسياسات والطاقة بالاقتصاد، وفي مقدمة ذلك الاستفادة بصورة أكثر تنظيمًا من العلماء والخبراء المصريين في الخارج، من خلال آلية علمية مستقلة تتيح اختيار أصحاب الخبرة والإنجاز الحقيقي والاستفادة منهم في الملفات الوطنية والمشروعات الاستراتيجية.
كما أرى ضرورة النظر إلى باطن الأرض باعتباره أصلًا استراتيجيًا لمصر، وليس مجرد مساحة جيولوجية، ودراسة ما يمكن أن يوفره من فرص في مجالات الطاقة الجيوحرارية، والتخزين الجيولوجي للكربون، وبعض تطبيقات التخزين والتخلص الآمن من المخلفات، على أن تستند هذه المشروعات إلى دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية دقيقة.
ويأتي كذلك بناء منظومة وطنية دقيقة لقياس الكربون وتقييم مشروعات الاقتصاد الأخضر، بحيث نستطيع تحديد حجم الانبعاثات التي تم خفضها أو تجنبها بصورة علمية، ثم تحويل هذا الخفض إلى قيمة اقتصادية من خلال الاعتمادات الكربونية القابلة للتداول، بما يساعد على جذب الاستثمارات وتحويل العمل المناخي من مجرد تكلفة إلى مصدر للقيمة الاقتصادية.
- الدكتور أحمد أبوسيد الخبير العالمي في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ
- الخبير العالمي في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ
- الاقتصاد الأخضر
- الطاقة والمناخ
- الطاقة الجيوحرارية
- البترول
- التنبؤ بالزلازل
- ملف الاقتصاد الأخضر
- الكربون
- بورصة الكربون المصرية
- المستثمرين
- الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الجيوحرارية
- خبير عالمى
- الضبعة
- النشاط الزلزالي
- البحر الأحمر
- الساحل الشمالى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض