رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

خارج السطر

عاش الأديب الفرنسي جون دي لافونتين أربعة وسبعين عاما (1621-1695) قدم خلالها بدائع ساحرة حاولت طرح جمال وحكم ودروس إنسانية صالحة للأجيال القادمة بعد رحيله. ومن بين الحكايات الطريفة التي خطها شعرا حكاية "الرياح الشمالية والشمس"، إذ تُمثل درسا بليغا مُقنعا للمجتمعات المختلفة في التمتع بالاستقرار وتحقيق الغايات الكبرى.

تقول الحكاية إن الرياح الشمالية والشمس تجادلتا يوما ما أيهما أهم وأقوى، فاتفقا على اختيار مسافر عشوائي يسير في الطريق ويرتدي عباءة ثقيلة، وتمثل التحدي فيمّن يجبره على خلع عباءته عن جسده. 

بدأت الرياح التحدي فهبت بقوة، وتعاظمت، واحتدمت، وتحولت إلى عاصفة شديدة لإجبار المسافر على خلع عباءته. غير أنها كلما اشتدت أكثر، تمسك الرجل بعباءته بشكل أكبر، ثُم بالغ في الاحتياط فأحكم إغلاقها تماما. وفي النهاية سلمت الرياح بفشلها في إجباره على خلع عباءته. أما الشمس فلم تقترب من الرجل، وإنما صعدت إلى كبد السماء، وأرسلت أشعتها الدافئة إلى الأرض، فشعر المسافر بالدفء الشديد، ثم ارتفعت الحرارة تدريجيا، فأحس أنه ليس في حاجة إلى العباءة، وقام بخلعها بهدوء، ثُم ألقى بها جانبا، لتنتصر الشمس.

واللافت في القصة أن سطوع الحقيقة قوية وشامخة دون غضب هو أبلغ رسالة رد للأكاذيب، وأفضل تبديد للشائعات، وأقوى تغلب على النقد الغلط وحملات التحريض ودعوات البلبلة.

 ما يُزعج الحكومات في منصات أو مواقع إلكترونية تراها مُغرضة أو مُبلبلة، فتُشمر لها الأذرع، وتحشد في مواجهتها الطاقات، لتُلاحق مّن يديرونها أو يعملون فيها؟

 ما يُغضب مسئولين، سطور رأي ما ـ قد يُصيب صاحبها أو يُخطىءـ فتنتفض العقول وتنشغل الأذهان بُطرق اجتثاثها بكل قوة وعنف؟ 

ما يجعل البعض غير قادر على سماع صوت آخر ورأي آخر وطرح آخر يختلف معه، فيكون الحل الوحيد هو اخراس صاحب الصوت، تحت تصور سد أبواب الفتن، وتأمين ثغرات الشيطان، ومنح الفرص للمتربصين للعمل بروية؟

إن أحدا في هذا الزمان، أيا كانت قُدرة أجهزته، وقوة مؤسساته، وبراعة كوادره لا يُمكنه حجب كلمة تُقال أو تُنشر. ففضاءات التكنولوجيا فتحت المجالات أوسع مما يتصور إنسان، وصار كل شىء مُتاحا، ويسيرًا، وممكنًا، وأصبحت أفضل مواجهة لرأي آخر ـ غلط أو مُختلف ـ هو تركه دون منع، والرد عليه بكل هدوء وشفافية واتزان وتعقل، وتجنب سياسات الرفض التام، والتخوين والاتهام بالتآمر. 

إن مَن يتخذ قرارا بمصادرة رأي آخر أو حجبه، يخدمه وينفعه بشكل كبير إذ يمثل ذلك ترويجا عظيما له، ووقائع التاريخ تشهد بذلك. وحسبنا أن نقول إن الكتب والأفكار التي مُنعت هي التي ذاعت وانتشرت، وكان الشاعر الكبير نزار قباني يردد دائما عبارة تُلخص ذلك تقول "أنا ممنوع في كل مكان، إذن أنا موجود في كل مكان". 

لقد جربنا عقودا طويلة بعضا من سياسات الريح الشمالية في التعامل مع المسافر المتدثر بعباءته، لكننا لم نفلح، فلنجرب فكرة الشمس الساطعة في كبد السماء، فوحدها الكفيلة ببعث الطمأنينة في النفوس. ومن ثم تحقيق الاستقرار اللازم لمجتمع ناهض. 

والله أعلم

 

[email protected]