رحيل السفير دياب اللوح.. مسيرة من سجون الاحتلال إلى الجامعة العربية
خيمت حالة من الحزن والأسى على الأوساط الدبلوماسية، إثر الإعلان عن وفاة السفير الفلسطيني لدى مصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية دياب اللوح، صباح يوم الاحد، عن عمر ناهز 68 عاماً، وذلك في العاصمة المصرية القاهرة بعد تعرضه لوعكة صحية.
رحل بهدوء الأبطال في القاهرة.. المدينة التي شهدت آخر معاركه الدبلوماسية. لم يكن دياب اللوح مجرد سفير يحمل حقيبة دبلوماسية وربطة عنق أنيقة، بل كان مقاتلاً من طراز رفيع، خاض ثلاث معارك وجودية صامتة، غيرت مجرى حياته، وصنعت لبلاده مجداً في أروقة السياسة الدولية.
تبداء المرحلة الأولي في حياته بعنوان معركة "الأمعاء الخاوية" خلف القضبان (1977 - 1985) بدأ القصة في زنزانة معتمة عام 1977،و كان دياب شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره عندما كبل الاحتلال يديه بحكم مدته 15 عاماً بتهمة مقاومة المحتل ، وهناك خلف جدران سجون الاحتلال الإسرائيلي الصخرية، لم يستسلم دياب.
خاض مع رفاقه معركة الأمعاء الخاوية؛ إضرابات عن الطعام حولت وهن أجسادهم إلى سلاح كسر غطرسة السجان. حول السجن من مقبرة للأحياء إلى جامعة ثورية تدرس فيها الوطنية والوعي، وظل يقاوم الجوع بالصبر حتى تنفس الحرية رغماً عن القيود عام 1985 في صفقة تبادل للأسرى.
وتاتي المرحلة الثانية في حياته تحت عنوان معركة "الحبر والورق" وإحياء الوعي (1993 - 2005) العودة، أدرك دياب اللوح أن رصاص البنادق يحتاج إلى عقل يحميه وحبر يوثقه. تولى قيادة التعبئة الفكرية والإعلامية لحركة فتح في قطاع غزة، وكان يسابق الزمن بجريدة "الكرامة" الأسبوعية التي أسسها. خاض معركة يومية شرسة ضد الدعاية المضادة للاحتلال، و كانت كلماته المطبوعة بمثابة خطوط دفاع أولى تحمي عقول الشباب الفلسطيني من اليأس، وتزرع فيهم حتمية الاستقلال والتمسك بالأرض.
وجاءت المعركة الكبرى والأخيرة تحت قبة جامعة الدول العربية وفي ردهات سفارة فلسطين بالقاهرة. وجد السفير دياب اللوح نفسه أمام إعصار سياسي عاتٍ؛ محاولات لتصفية القضية، ومخططات خبيثة للتهجير القسري لأبناء شعبه في قطاع غزة. لم ينم السفير.. تحولت الدبلوماسية في يديه إلى خندق مواجهة صلب. خاض معارك ماراثونية لتنسيق المساعدات، وإغاثة الجرحى، وحماية العالقين. ظل يقاتل بالكلمة والموقف والحجة السياسية، متنعًا تصفية قضية عمره، حتى صعدت روحه إلى بارئها وهو مرابط في محراب الدفاع عن فلسطين من قلب القاهرة.
وبمجرد انتشار النبأ الأليم، تحولت المنصات الرسمية للدبلوماسيين والبعثات العربية في القاهرة إلى ساحة عزاء واسعة، استُذكرت فيها مواقف الراحل الذي كرس عقودًا طويلة من حياته خادمًا أمينًا للقضية الفلسطينية ومدافعًا صلبًا عن العمل العربي المشترك.
وفي لمسة وفاء ، نعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس السفير الراحل، واصفاً إياه بـ "القائد الوطني"، ومستحضراً سجله النضالي الحافل بالتضحية والنزاهة، وحرصه الدائم على المصلحة الوطنية العليا في كافة المحافل.
الخارجية المصرية تنعي السفير دياب اللوح
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية المصرية عن بالغ حزنها لرحيل اللوح، مؤكدةً في بيان رسمي تقديرها الكبير لتفانيه المخلص في تعزيز العلاقات الأخوية والمجذرة بين الشعبين الشقيقين المصري والفلسطيني، ودفاعه الموصول عن حقوق شعبه المشروعة.
واستمرت تدفقات كلمات النعي من سفراء وبعثات الدول العربية بالقاهرة، حيث أعربت سفيرة مملكة البحرين لدى مصر والمندوبة الدائمة لدى جامعة الدول العربية، السفيرة فوزية بنت عبد الله زينل، عن خالص تعازيها وصادق مواساتها للقيادة والشعب الفلسطيني وأسرة الفقيد وأعضاء السفارة بالقاهرة.
وقالت السفيرة زينل في كلمتها:" نشيد بما عرف عن السفير الراحل من إخلاص وتفانٍ في خدمة وطنه وقضيته، وإن رحيله اليوم يمثل خسارة فادحة للدبلوماسية الفلسطينية وللعمل العربي المشترك على حد سواء."
وفي السياق ذاته، أعربت البعثة الدبلوماسية لدولة ليبيا بالقاهرة عن حزنها العميق لرحيل القامة الدبلوماسية، وقال السفير عبد المطلب ثابت مندوب دولة ليبيا الدائم لدى جامعة الدول العربية :" لقد فقدت فلسطين برحيله مناضلاً وطنياً ودبلوماسياً مخلصاً، كرس حياته في خدمة وطنه وقضيته العادلة، وبذل الكثير من الجهد والعطاء دفاعاً عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وحمل صوتها ومواقفها في مختلف المحافل العربية والدولية.
وتابع عبد المطلب :" أن رحيل السفير دياب اللوح يمثل خسارة كبيرة للدبلوماسية الفلسطينية وللعمل العربي المشترك، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل الوطني والدبلوماسي المخلص"
وأعلنت سفارة دولة فلسطين بالقاهرة أن مراسم تشييع جثمان الفقيد ستجرى غداً الاثنين (10 أغسطس 2026) عقب صلاة الظهر من مسجد الشرطة بمنطقة التجمع الخامس، ليرحل جسدًا ويبقى أثره نضالاً حيًا في ذاكرة الدبلوماسية العربية والفلسطينية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







