الضربة الاستباقية الأولى.. رسائل نبيل فهمي لأوروبا تقطع الطريق على "سحب الاعتراف" بفلسطين
في ترجمة عملية فورية لعقيدة "العمل الاستباقي والمبادرة" التي أعلنها في أولى خطواته الرسمية، قاد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، تحرك دبلوماسي حاسم لقطع الطريق على محاولات تفتيت المكتسبات الدولية للقضية الفلسطينية.
ولم تنتظر الأمانة العامة للجامعة طويلاً لتبدأ النفاذ إلى دهاليز صناعة القرار الأوروبي؛ حيث بعث نبيل فهمي برسالتين رسميتين عاجلتين، وجه أولاهما إلى وزير الخارجية والشؤون الأوروبية لجمهورية سلوفينيا توني كايزر، والثانية إلى الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس.
وجاء هذا التحرك الصارم من الأمين العام على خلفية التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء السلوفيني بشأن اعتزام حكومته سحب اعتراف بلاده بدولة فلسطين ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
ودعا فهمي في رسالته لوزير خارجية سلوفينيا إلى إعادة النظر بعناية في هذا التوجه السلبي والمرفوض، مؤكداً أنه لا سند في القانون الدولي لما يسمى سحب الاعتراف” بدولة تعترف بها أكثر من ثلاثة أرباع المجموعة الدولية، وأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره قاعدة آمرة ملزمة لجميع الدول وفق ما أكدته محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة في 19 يوليو 2024، والتي ألزمت الدول كافة بعدم الاعتراف بالوجود الإسرائيلي غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وعدم تقديم أي عون له.
وشدد نبيل فهمي على أن نقل السفارة السلوفينية إلى القدس يشكّل انتهاكًا صريحًا لقرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980، فضلاً عن تعارضه مع الموقف الأوروبي الموحّد الذي يعتبر القدس مسألة من مسائل الوضع النهائي التي لا تحسم سوى بالتفاوض. كما حملت رسالته للممثلة السامية كايا كالاس تحذيراً شديد اللهجة من خطورة هذه السابقة، كونها قد تشجع دولاً أخرى على اتخاذ نهج مماثل، مبرزاً أن السماح لدولة عضو بالتعامل مع الاعتراف بدولة فلسطين باعتباره قراراً قابلًا للتراجع عنه تبعًا لتغيّر الحكومات من شأنه أن ينال من صدقية الالتزامات الأوروبية بحل الدولتين.
وأكد نبيل فهمي أن الجامعة تعول على الاتحاد الأوروبي في اتخاذ الوجهة الصحيحة بالتأكيد مجدداً وبوضوح على أعلى المستويات أن اعتراف الدول الأعضاء بدولة فلسطين لا تراجع عنه، معتبراً أن هذه الخطوات السلوفينية المعلنة تنتقص من المكانة الدولية لدولة فلسطين وتشجع قوى الاحتلال ومشروع الضم.
هذا التحرك السريع تجاه الساحة الأوروبية يمثل النواة الحقيقية للمقاربة السياسية التي طرحها نبيل فهمي في أول مؤتمر صحفي له، والذي اتسم بالصراحة المفرطة والوضوح الشديد. فخلال تلك المواجهة، التي شهدت حضور حاشد من نخبة إعلاميين و صحفيين محليين وأجانب، وضع الأمين العام يده على واحدة من أكثر المعدلّات الإدارية والسياسية التي قيدت حركة الجامعة العربية تاريخياً، ألا وهي مسألة "الصلاحيات والبيروقراطية".
ورداً على الطروحات المطالبة بجرأة تعديل ميثاق الجامعة لمنح الأمين العام قدرة أكبر على الحركة في مواجهة التهديدات في الدوائر الأمنية العربية الخمس، صاغ فهمي رؤية دبلوماسية مرنة؛ إذ أوضح أن وجود الجامعة بحد ذاته يحمل "تفويضاً ضمنياً" يمنح الأمانة العامة مساحة واسعة للمبادرة والتحرك السريع دون الغرق في دهاليز تعديل الميثاق الذي يتطلب إجماعاً معقداً. وأعلن الأمين العام أنه وجه بالفعل منذ يوم عمله الأول خطوط عمل ومقترحات واضحة ومباشرة لكافة الدول الأعضاء تهدف إلى إعادة الحيوية والقدرة الاستباقية لآليات العمل المشترك، مشدداً على أن الجامعة لن تقف بعد الآن في مقاعد المتفرجين بانتظار تفاقم الأزمات، بل ستبادر بطرح الحلول وتفعيل مسارات مرنة للدبلوماسية بالتوافق الفعال مع القادة.
وفي ذات السياق الاستراتيجي الحاسم، ترفع الرؤية الجديدة نبيل فهمي شعار "الواقعية والانحياز المطلق للأمن القومي العربي". ففي إجابته على مسألة توحيد الرؤى العربية تجاه تصنيف الأطراف الإقليمية والدولية الأكثر تهديداً للأمن العربي في مختلف الساحات، تبرز صياغة ذكية منعت استدراج الجامعة إلى خلافات جغرافية ضيقة؛ إذ وضع فهمي "قاعدة ذهبية" واضحة حين أكد أن" كل ما يمس السلم العربي، أو يحتل أرضاً عربية، أو يظلم طرفاً عربياً فهو عدو" للجامعة بالضرورة وفي أي وقت.
هذا التعريف الإجرائي الحاسم قطع الطريق تماماً على محاولات تسييس العلاقات، وتجلى بوضوح في الموقف من التدخلات الإقليمية المستمرة على بعض الأراضي والسيادات العربية؛ حيث شدد نبيل فهمي على أن الجامعة العربية ليست ولن تكون يوماً "وسيطاً محايداً" بين الأطراف العربية وأطراف غير عربية كإيران.
نبيل فهمي: الانحياز للمصلحة العربية وحمايتها فرادى وجماعات هو العقيدة الراسخة للأمانة العامة
وأكد بشكل قاطع أن الانحياز للمصلحة العربية وحمايتها فرادى وجماعات هو العقيدة الراسخة للأمانة العامة، مضيفاً أن السبيل لمواجهة محاولات تفتيت التضامن العربي والاتفاقيات الخارجية التي تبرمها بعض القوى ليس بإصدار بيانات الإدانة والشجب، بل بطرح بديل أمني واقتصادي عربي جماعي وقوي تحت مظلة الجامعة يلبي احتياجات كل دولة ويجعلها تشعر بالأمان داخل بيتها العربي الكبير.
انعكس هذا الانحياز العربي المطلق على ملف القضية الفلسطينية، التي وصفها فهمي بأنها "أكبر قضية قومية وأعمق ملف في الشرق الأوسط". وكشف الأمين العام عن كواليس وخلفيات رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي وعرقلتها لزيارته التي كانت مقررة إلى مدينة رام الله كأولى خطواته الميدانية عقب توليه مهامه.
ووجه فهمي رسالة قوية للشعب الفلسطيني المحاصر، مؤكداً أن هذا التعنت الإسرائيلي لن يثني الجامعة عن مواصلة السعي لدعم صمود الشعب وقيادته، وأنه مصمم على لقاء الرئيس محمود عباس (أبو مازن) في رام الله في القريب العاجل، ليبقى هذا الملف على رأس هرم الأولويات السياسية والدبلوماسية للأمانة العامة.
وعلى صعيد الأزمات العربية الدامية، فتح الأمين العام ملف الشأن السوداني كأولوية قصوى لإنقاذ الساحة العربية من خطر التفتت وانهيار المؤسسات الوطنية. وبنبرة تعكس التأثر والمسؤولية، وصف السيد نبيل فهمي الوضع الحالي في السودان الشقيق بأنه "وضع مأساوي وغير مقبول إنسانياً وعربياً".
وأعلن فهمي أن جامعة الدول العربية تعمل بفاعلية وتنسيق ضمن أطر دولية وإقليمية مثل "المجموعة الخماسية" للضغط باتجاه الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية العاجلة وفتح قنوات الحوار السياسي البنّاء. وشدد على أن عقيدة الجامعة في الملف السوداني وفي سائر الملفات ترتكز على مبدأ عدم المساس بسيادة الدول ودعم مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية كحائط صد أساسي في مواجهة الفوضى والكيانات الموازية.
ولم تكن الساحة اللبنانية ببعيدة عن هذا التحليل الدقيق؛ حيث سلط الأمين العام الضوء على الانتهاكات والتهديدات الإسرائيلية المستمرة للبنان، مشدداً على أن استعادة الاستقرار هناك تفرضه معادلتان أساسيتان: الأولى هي الانسحاب الإسرائيلي الفوري والكامل من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، والثانية هي مساندة الدولة اللبنانية لتبسط سيطرتها ومؤسساتها الأمنية والوطنية على كامل أراضيها.
وأهاب فهمي بكافة القوى السياسية اللبنانية بضرورة تحكيم صوت العقل لتجنب نقل أي توتر سياسي داخلي إلى الشارع، مشيداً بالحكمة النسبية التي تبديها القوى المختلفة لحفظ أمن لبنان واستقراره ومواجهة الانزلاق نحو صراعات داخلية تدمر مكتسبات الدولة وتفتح الباب للتدخلات الخارجية.
من أكثر الجوانب إشراقاً وعمقاً في الفكر الجديد الذي طرحه الأمين العام هو سعيه لإرساء معادلة تربط بين قوة الأمن وقوة التنمية. ففي قراءته للمسارات الاقتصادية المشتركة، صرّح نبيل فهمي بعبارة حاسمة: "لا يوجد أمن قومي دون اقتصاد قوي يقف على قدميه".
واعترف الأمين العام بأن العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك في أدراجه يحوي الكثير من الاتفاقيات والبرامج الفعالة التي يفوق حجمها ما هو معلوم لدى الرأي العام، لكنها عانت تاريخياً من غياب الضوء والترجمة العملية.
وتعهد فهمي بالتركيز على تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشروعات تنموية حقيقية يلمسها المواطن والشاب العربي في معيشته وصحته وتعليمه، مستهدفاً شريحة الشباب التي تمثل أكثر من 65% من المجتمعات العربية لحمايتهم وبناء مستقبلهم وربطهم فكرياً وجدانياً ببلدانهم.
وعلى المستوى الدولي، قدم الأمين العام مقاربة ميزان القوى التي تنتهجها الجامعة للحفاظ على مصالحها في ظل نظام عالمي يشهد صراعات محتدمة.
وبشأن الشراكة العربية الصينية، أكد السيد نبيل فهمي على ضرورة دفع هذه العلاقة المتميزة والتاريخية، التي توجت بقمة الرياض 2022، إلى ما هو أبعد من مجرد "شراكة نفطية وتبادل تجاري استهلاكي"؛ لتشمل توطين التكنولوجيا المتقدمة، والاستثمار في البنية التحتية والمستقبل، فضلاً عن تعزيز التنسيق الإعلامي والفكري المشترك بالتعاون مع كيانات مثل وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) لإبراز صوت وقضايا دول الجنوب العالمي وتعميق الأثر الثقافي بين الشعوب.
وفيما يتعلق بروسيا، أشار فهمي إلى الثقل الاستراتيجي للعلاقات العربية الروسية، لافتاً إلى أن التوازن في العلاقات بين موسكو من جهة والغرب والولايات المتحدة من جهة أخرى يعد ركيزة هامة للاستقرار.
وأكد أن الجامعة منفتحة على مناقشة وتيسير كافة أشكال التعاون التي تخدم الاقتصاد العربي، بما في ذلك دراسة آليات جديدة للتبادل التجاري والتعاملات المالية والعملات المحلية لتعظيم العوائد ومواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية بالمرونة المطلوبة.
وأكد الأمين العام طرحه بأن الهوية المشتركة هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي؛ معرباً عن دعمه الكامل لإحياء مقترحات عقد "القمة الثقافية العربية" كقوة ناعمة منخفضة التكاليف المادية وعظيمة الأثر في ربط وجدان ومشاعر الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وتفعيل دور مراكز الفكر والبحث لخدمة قضايا الأمة.
كما تعهد فهمي بالعمل الجاد مع الدول الأعضاء لضمان انتظام وانعقاد القمم العربية في مواعيدها الدورية المقررة وتوفير التحضير الفني والسياسي العميق والمسبق لها، لإنهاء ظاهرة التأجيلات المتكررة التي واكبت ظروفاً استثنائية مرت بها المنطقة سابقاً، لتتحول القمم إلى محطات عملية ومستدامة لإنتاج القرارات الفاعلة على الأرض واستعادة ثقة المواطن العربي في جامعته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض