فؤاد عودة: مأساة سبتة تكشف فشل 30 عامًا من سياسات الهجرة الأوروبية
أكد البروفيسور فؤاد عودة، الطبيب وخبير الصحة العالمية وأستاذ جامعة روما تور فيرغاتا، أن أزمات الهجرة المتكررة التي شهدتها أوروبا على مدار العقود الثلاثة الماضية كشفت فشل السياسات والاتفاقيات الثنائية في معالجة جذور الظاهرة، مشددًا على أن الحل الحقيقي لا يكمن في تشديد الحدود وحده، وإنما في التعاون الدولي، ودعم دول المنشأ، وفتح مسارات قانونية ومنظمة للهجرة، وتحقيق الاندماج، وربط الأمن بالتنمية والعمل.
وقال عودة إن أزمة سبتة والخسائر البشرية التي رافقتها تمثل جرس إنذار جديدًا أمام إيطاليا وأوروبا، مؤكدًا أن ما حدث لا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة إسبانية فقط، وإنما نتيجة تراكمات لثلاثين عامًا من السياسات الأوروبية المتجزئة والمتناقضة، التي تراوحت بين الاستقبال دون توفير أدوات كافية للاندماج، والتشدد الأمني دون معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للهجرة.
وأضاف أن الأزمات المتكررة، من وسط البحر الأبيض المتوسط إلى البلقان، ومن جزر الكناري إلى سبتة ومليلية، تكشف الحاجة إلى استراتيجية أوروبية موحدة تجمع بين حماية الحدود والتعاون مع دول المنشأ والعبور، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومواجهة المعلومات المضللة، إلى جانب توفير فرص حقيقية للعمل والتنمية في الدول التي ينطلق منها المهاجرون.
عودة: لا يمكن مواجهة الهجرة غير النظامية بالحدود فقط
وأوضح عودة، في بيان صادر عن شبكة من الجمعيات والمؤسسات الدولية، أن ظاهرة الهجرة لا يمكن اختزالها في أرقام الوافدين أو وصفها باعتبارها "غزوًا"، مشيرًا إلى أن البيانات الأوروبية سجلت انخفاضًا في أعداد عمليات العبور غير النظامية خلال الفترة الأخيرة، إلا أن ذلك لم ينهِ الأزمة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى انتقال طرق الهجرة من منطقة إلى أخرى.
وأشار إلى أن الضغوط انتقلت من وسط البحر المتوسط إلى جزر الكناري، ومن غرب البلقان إلى الحدود المغربية الإسبانية، وصولًا إلى بحر المانش، بما يؤكد أن المشكلة تحتاج إلى معالجة أوروبية شاملة وليست مجرد إجراءات منفردة تتخذها كل دولة على حدة.
وأكد أن أوروبا بحاجة إلى مسؤوليات مشتركة وإجراءات موحدة لمعالجة طلبات اللجوء، وإعادة توزيع حقيقية لطالبي اللجوء بين الدول الأعضاء، فضلًا عن نظام فعال لإعادة من لا تنطبق عليهم شروط الحماية، مع ضمان عدم ترك المستحقين للحماية لسنوات في حالة من عدم اليقين.
إيطاليا.. الأمن وحده لا يكفي
وفيما يتعلق بإيطاليا، قال عودة إن البلاد لا تزال إحدى نقاط الدخول الرئيسية إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن السياسة الإيطالية ركزت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الرقابة البحرية، وإبرام اتفاقيات مع دول المنشأ والعبور، وتسريع عمليات إعادة المواطنين إلى بلدانهم، بالتوازي مع برامج الاستقبال والتدريب والاندماج.
إلا أنه شدد على أن التحدي الرئيسي لا يزال يتمثل في الفجوة بين الاستقبال الأولي والاندماج الحقيقي، موضحًا أن إجراءات الحصول على الإقامة، وتعلم اللغة، والاعتراف بالمؤهلات، والحصول على فرص عمل والرعاية الصحية، لا تزال بحاجة إلى منظومة أكثر كفاءة وترابطًا.
وقال عودة: "إيطاليا بحاجة إلى الأمن، ولكنها بحاجة أيضًا إلى التخطيط. لا يمكن أن نبحث في الخارج عن أطباء وممرضين وفنيين ومهندسين وعمال مؤهلين، ثم نتركهم عالقين في البيروقراطية أو دون الاعتراف بمؤهلاتهم".
وأضاف أن الاندماج الحقيقي يعني تعلم اللغة واحترام القانون والعمل والمشاركة في المجتمع، مؤكدًا أن الحقوق يجب أن تقترن بالواجبات، وأن الدولة في المقابل مطالبة بتوفير مسارات قانونية واضحة وفرص عمل منتظمة وآليات عادلة للاعتراف بالمهارات.
"الهجرة الجيدة".. رؤية تتجاوز الاستقبال والرفض
وأشار عودة إلى أن شبكة الجمعيات تعمل منذ أكثر من 30 عامًا على ملفات الهجرة والصحة العالمية والاندماج والتعاون الأوروبي المتوسطي وحماية الحقوق، لافتًا إلى أن المقترحات التي قدمها منذ عام 1995 بالتعاون مع عدد من الجمعيات والمؤسسات تطورت لتشكل ما يعرف بـ "بيان الهجرة الجيدة".
وأوضح أن البيان يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الاندماج مسؤولية مشتركة، إذ يتعين على المهاجر احترام القانون وتعلم اللغة والمشاركة في الحياة الاجتماعية والعمل والالتزام بالقيم الدستورية، بينما تلتزم الدولة بتوفير قنوات قانونية للهجرة، وإجراءات إدارية واضحة، والرعاية الصحية والتدريب والعمل المنتظم والاعتراف بالمؤهلات ومكافحة الاستغلال.
وشدد على أن "الهجرة الجيدة" لا تعني فتح الحدود بلا ضوابط، كما لا تعني إغلاقها بصورة كاملة، وإنما تعني حدودًا مُدارة، وهجرة منظمة، ومسارات قانونية، وأمنًا قائمًا على الوقاية والشرعية والاندماج والتعاون الدولي.
"الاتحاد من أجل إيطاليا".. من العمل المجتمعي إلى المشاركة السياسية
وكشف عودة عن أن الخبرات المتراكمة خلال أكثر من ثلاثة عقود، إلى جانب عدم تنفيذ عدد من المقترحات التي طرحتها منظمات المجتمع المدني، دفعت إلى إطلاق البيان السياسي الدولي "الاتحاد من أجل إيطاليا"، بالتعاون مع رؤساء وممثلي جمعيات ومجتمعات ومنظمات وشركات ومهنيين ووسائل إعلام من أصول إيطالية وأجنبية.
وأوضح أن الحركة لا تستهدف تأسيس حزب على أساس عرقي أو ديني، وإنما تسعى إلى تقديم مشروع سياسي دولي متعدد الثقافات، مفتوح أمام الإيطاليين والإيطاليين من أصول أجنبية، يقوم على الدستور والشرعية والحقوق والواجبات والجدارة والشفافية والحوار واحترام المؤسسات الديمقراطية.
وأكد أن الهدف هو تحويل الخبرات المتراكمة لدى المهنيين في قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي والاقتصاد والأعمال والثقافة والابتكار والعلاقات الدولية إلى مقترحات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وقال عودة: "بعد ثلاثين عامًا من المقترحات والبيانات والمناقشات المؤسسية، لم يعد الاستماع إلينا بين الحين والآخر كافيًا، نحن بحاجة إلى المشاركة المباشرة في صياغة القرارات السياسية".
التعاون مع دول المنشأ.. الوقاية تبدأ قبل الحدود الأوروبية
وشدد عودة على أن مواجهة الهجرة غير النظامية يجب أن تبدأ قبل وصول المهاجرين إلى الحدود الأوروبية، من خلال إعادة تفعيل التعاون الدولي والاتفاقيات الثنائية مع دول أفريقيا والبحر المتوسط.
وقال: "نحن بحاجة إلى إعادة تنشيط البعثات الحكومية والاتفاقيات الثنائية التي تم بناؤها على مدار السنوات مع الدول الأفريقية ودول البحر المتوسط، لأن منع الهجرة غير النظامية يبدأ قبل وقت طويل من الوصول إلى الحدود الأوروبية".
وأضاف أن التعاون يجب ألا يقتصر على الحكومات، بل يمتد إلى الجامعات وأنظمة الرعاية الصحية والمؤسسات المحلية والمجتمعات، مع الاستثمار في التعليم والصحة والتوظيف والتنمية، ورفع الوعي بالمخاطر الحقيقية للهجرة غير النظامية.
كما حذر من تأثير المعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن كثيرًا من الشباب في الدول الأفريقية والعربية يتلقون صورة غير واقعية عن أوروبا، باعتبارها مكانًا تضمن فيه الوظائف والسكن والفرص بمجرد الوصول، وهو ما تستغله شبكات الاتجار بالبشر.
مقترحات عاجلة بعد أزمة سبتة
وطرحت شبكة الجمعيات عددًا من المقترحات للتعامل مع أزمات الهجرة، من بينها إنشاء غرفة تحكم دائمة تجمع الاتحاد الأوروبي ودول البحر المتوسط والدول الأفريقية، ووضع نظام إنذار مبكر لرصد التجمعات الكبيرة وحملات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما دعت إلى تعزيز الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بالكوادر والتكنولوجيا والفحوص الصحية وفرق الوساطة، وفتح قنوات قانونية ومنظمة للهجرة وفق احتياجات سوق العمل، إلى جانب إجراءات مشتركة وسريعة للتمييز بين طالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين والقاصرين وضحايا الاتجار بالبشر والفئات الأكثر ضعفًا.
وتضمنت المقترحات كذلك إعادة توزيع مسؤوليات اللجوء بين الدول الأوروبية، وتنفيذ عمليات إعادة كريمة وفعالة لمن لا تنطبق عليهم شروط البقاء، وإبرام اتفاقيات تنموية مع دول المنشأ في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف، ووضع خطة أوروبية موحدة لمواجهة الاتجار بالبشر واستغلال العمال وحملات التضليل.
"لا أمن حقيقي بدون اندماج"
وأكد عودة أن أوروبا لا تحتاج إلى الاختيار بين الأمن والإنسانية، وإنما إلى نموذج يجمع بينهما، قائلًا: "لا اندماج حقيقي بدون شرعية، ولا أمن حقيقي بدون اندماج".
وأضاف أن الهجرة المنظمة تحمي المجتمعات الأوروبية والمهاجرين الشرعيين في الوقت نفسه، وتواجه العمل غير القانوني والاستغلال، وتحمي النساء والقاصرين، وتتصدى للتطرف والعنف والاتجار بالبشر.
واختتم عودة بالتأكيد على أن ضحايا سبتة يجب ألا يتحولوا إلى مجرد أرقام، داعيًا إيطاليا والاتحاد الأوروبي إلى تحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق لسياسة جديدة تقوم على الأمن والاندماج والشرعية والعمل والتعاون الدولي والمسؤولية المشتركة.
وقال إن مشروع "الاتحاد من أجل إيطاليا" يسعى إلى تحويل أكثر من ثلاثين عامًا من الخبرة والأفكار والمقترحات إلى مشروع سياسي عملي ومستقل، مفتوح أمام جميع المواطنين الذين يؤمنون بالدستور والشرعية والجدارة والأمن، وبسياسة هجرة مسؤولة ومنظمة تقوم على التخطيط والرؤية الاستراتيجية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







