رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل تعكس أرقام التمويل متناهي الصغر نجاح القطاع في مصر؟

التمويل متناهي الصغر
التمويل متناهي الصغر

لم يعد التمويل متناهي الصغر في مصر مجرد وسيلة لتقديم قروض صغيرة لأصحاب المشروعات البسيطة، بل تحول خلال العقود الماضية إلى أحد أسرع أنشطة التمويل غير المصرفي نموًا، مدعومًا بتشريعات متخصصة وتوسع في الشركات العاملة واستخدام التكنولوجيا المالية، حتى وصلت محافظه التمويلية إلى نحو 74 مليار جنيه بنهاية الربع الأول من عام 2026.

وتكشف أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن النساء يمثلن 53% من إجمالي المستفيدين من التمويل متناهي الصغر، بما يقارب 1.8 مليون سيدة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة النشاط ووصوله إلى شرائح واسعة من أصحاب المشروعات متناهية الصغر في مختلف المحافظات.

لكن هذا النمو يطرح سؤالًا مهمًا، هل نجح التمويل متناهي الصغر في تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها، أم أن نمو المحافظ التمويلية لا يعكس بالضرورة تحسنًا مماثلًا في أوضاع المستفيدين؟

من الجمعيات الأهلية إلى صناعة مالية

تعود بدايات التمويل متناهي الصغر في مصر إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الجمعيات والمؤسسات الأهلية تقدم قروضًا صغيرة لتمويل المشروعات المنزلية والحرفية والأنشطة البسيطة التي لم تكن تستطيع الحصول على التمويل المصرفي بسبب ضعف الضمانات أو صغر حجم النشاط.

وشهد القطاع نقطة التحول الأبرز مع صدور القانون رقم 141 لسنة 2014، الذي وضع لأول مرة إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم التمويل متناهي الصغر تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، متضمنًا قواعد الترخيص والرقابة والإفصاح وحماية المتعاملين، وهو ما ساهم في جذب شركات جديدة إلى السوق وتحويل النشاط إلى صناعة مالية غير مصرفية منظمة.

أداة لتعزيز الشمول المالي

يختلف التمويل متناهي الصغر عن التمويل المصرفي التقليدي في الفئات التي يستهدفها، إذ يركز على أصحاب المشروعات الصغيرة جدًا والأنشطة غير الرسمية والأسر محدودة الدخل، وهي الفئات التي غالبًا ما تواجه صعوبة في الحصول على التمويل البنكي.

ومن هنا أصبح التمويل متناهي الصغر أحد أهم أدوات تعزيز الشمول المالي، عبر إتاحة الخدمات التمويلية لشرائح لا تصل إليها الخدمات المصرفية بسهولة، خاصة في القرى والمناطق البعيدة، دون أن يكون بديلًا عن البنوك، بل مكملًا لدورها.

التجارة تستحوذ على النصيب الأكبر

تعكس خريطة التمويل الحالية استمرار هيمنة النشاط التجاري على محافظ التمويل متناهي الصغر، إذ استحوذ بنهاية الربع الأول من عام 2026 على 56.6% من إجمالي الأرصدة، بقيمة بلغت 41.7 مليار جنيه استفاد منها نحو 2.1 مليون عميل.

وجاء النشاط الزراعي في المرتبة الثانية بمحفظة بلغت 18.5 مليار جنيه تمثل 25.1% من إجمالي التمويلات، واستفاد منها نحو 673.5 ألف عميل، بينما سجلت الأنشطة الخدمية أرصدة بقيمة 9.3 مليار جنيه، تلتها الأنشطة الإنتاجية والحرفية بنحو 4.1 مليار جنيه.

التضخم يغير قراءة مؤشرات النمو

شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا، إلا أن ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع ومدخلات الإنتاج أثرا على القوة الشرائية لقيمة التمويل، ما دفع الهيئة العامة للرقابة المالية إلى رفع الحد الأقصى للتمويل أكثر من مرة، كان آخرها في فبراير 2026 عندما ارتفع من 266 ألف جنيه إلى 292 ألف جنيه.

ويعني ذلك أن نمو المحافظ التمويلية لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة في عدد المستفيدين، إذ ارتفع متوسط قيمة التمويل بصورة ملحوظة نتيجة التضخم.

ويؤكد ذلك ما أظهرته بيانات تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، التي ارتفعت أرصدتها إلى 98.3 مليار جنيه بنهاية 2025 مقابل 79.1 مليار جنيه في العام السابق، بنمو بلغ 24%، بينما انخفض عدد المستفيدين إلى 3.6 مليون مقارنة بنحو 3.7 مليون مستفيد.

التشريعات دعمت توسع السوق

شهد القطاع منذ عام 2019 عددًا من التشريعات والقرارات التنظيمية، شملت التأمين الإجباري على العملاء، وتنظيم استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، ثم توسعة الإطار التشريعي بالقانون رقم 201 لسنة 2020 ليشمل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب التمويل متناهي الصغر، بما عزز قواعد الحوكمة والإفصاح وحماية العملاء.

التكنولوجيا تعيد تشكيل القطاع

شهد التمويل متناهي الصغر تحولًا رقميًا مع إصدار الهيئة العامة للرقابة المالية في عام 2023 الضوابط المنظمة لاستخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية، وهو ما ساهم في تسريع إجراءات التمويل، وخفض تكلفة الوصول إلى العملاء، وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية، والتوسع في تقديم الخدمات عبر القنوات الرقمية.

حماية العملاء تتوسع

واصلت الهيئة العامة للرقابة المالية تطوير منظومة حماية العملاء، فأصدرت في فبراير الماضي نموذجًا محدثًا لعقد التأمين الجماعي لعملاء التمويل متناهي الصغر، يشمل تغطية مخاطر الوفاة لأي سبب والعجز الكلي المستديم، مع رفع الحد الأقصى لسن التأمين إلى 65 عامًا، وزيادة الحد الأقصى للتغطية التأمينية إلى 390 ألف جنيه.

فرص نمو ما زالت كبيرة

رغم النمو الذي حققه القطاع، لا تزال السوق المصرية تمتلك فرصًا واسعة للتوسع، في ظل وجود نسبة كبيرة من المشروعات متناهية الصغر خارج منظومة التمويل الرسمية، خاصة داخل القطاع غير الرسمي.

كما تشير الدراسات الدولية إلى أن فجوة تمويل المشروعات المتناهية والصغيرة في الاقتصادات الناشئة تقترب من خمسة تريليونات دولار، وهو ما يعكس إمكانات كبيرة لنمو السوق المصرية خلال السنوات المقبلة، سواء عبر زيادة الشمول المالي أو دمج المزيد من المشروعات في الاقتصاد الرسمي.

هل حقق التمويل متناهي الصغر أهدافه؟

نجح التمويل متناهي الصغر في توسيع قاعدة المستفيدين وتوفير التمويل لملايين أصحاب المشروعات الصغيرة والورش والأنشطة المنزلية والتجارية، كما ساهم في دمج أعداد متزايدة من العملاء داخل المنظومة المالية الرسمية، بما يدعم أهداف الشمول المالي.

لكن نجاح القطاع لا يقاس فقط بحجم المحافظ التمويلية أو عدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحسين دخول العملاء، واستدامة المشروعات، وخلق فرص عمل حقيقية، وهي مؤشرات تظل أكثر أهمية في تقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي.

ومع استمرار توسع السوق، يبقى التحدي الرئيسي هو تحقيق التوازن بين زيادة التمويلات، والوصول إلى الفئات المستهدفة، وضمان توجيه التمويل إلى مشروعات إنتاجية قادرة على الاستمرار، بما يعزز مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.