هشاشة منظومة GPS الأمريكية
حرب البنية التحتية الرقمية ترسم موازين الصراع الدولى الجديدة
نيوزويك: طهران تمتلك سلاحًا أقوى من «النووى»
كشف التصعيد الذى شهده مضيق هرمز خلال يوليو الماضى عن تهديد يتجاوز إغلاق أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، بعدما سلط الضوء على هشاشة منظومة تحديد المواقع العالمية (GPS) التى تعتمد عليها الولايات المتحدة والاقتصاد العالمى فى قطاعات حيوية. وأظهرت الأزمة أن الحرب الإلكترونية أصبحت قادرة على تعطيل التجارة الدولية وإرباك البنية التحتية المدنية والعسكرية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ويرى ويل ثيبو، مدير مشروع الجيش الأمريكى فى معهد كليرمونت، فى تحليل نشرته «فوكس نيوز» أن ما جرى فى مضيق هرمز يمثل جرس إنذار لواشنطن، لأن خصومها باتوا يمتلكون وسائل منخفضة التكلفة وعالية التأثير لاستهداف منظومة GPS، بما يكشف ضعف إحدى أهم ركائز البنية التحتية الأمريكية.
وأوضح أن إيران حاولت خلال يوليو الماضى إغلاق مضيق هرمز، إلا أن الأزمة بدأت قبل ذلك عندما فقد الممر المائى موثوقيته التجارية نتيجة عمليات تشويش واسعة على إشارات الملاحة. ففى ذروة الأزمة سجلت أكثر من 1100 سفينة خلال يوم واحد حالات تشويش أو انتحال لإشارات نظامى GPS وAIS، فيما أظهرت بيانات التتبع بعض السفن وكأنها داخل مطارات أو فى عمق الأراضى الإيرانية، ما اضطر أطقم السفن إلى الاعتماد على الرادار ووسائل الملاحة التقليدية أثناء عبور أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا فى العالم.
ويؤكد ثيبو أن هذه الوقائع أثبتت أن دولة تمتلك قدرات فى الحرب الإلكترونية تستطيع تعطيل التجارة العالمية دون إطلاق رصاصة واحدة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على إشارات GPS بدرجة أكبر بكثير مما يعتقده كثيرون.
ولا يقتصر دور النظام على توجيه السفن والطائرات والمركبات، بل يستخدم أيضًا فى تسجيل توقيت عمليات الدفع الإلكترونى، وإدارة تداولات البورصات، ومزامنة شبكات الكهرباء والاتصالات، وتشغيل المعدات الزراعية، فضلًا عن التطبيقات العسكرية وتوجيه الأسلحة.
وأوضح أن تصميم منظومة GPS يعود إلى سبعينيات القرن الماضى، عندما لم تكن تهديدات التشويش الإلكترونى قائمة بالشكل الحالى، ولذلك تصل الإشارات القادمة من الأقمار الصناعية إلى أجهزة الاستقبال وهى ضعيفة نسبيًا، ما يجعل تعطيلها ممكنًا باستخدام أجهزة تشويش يمكن تصنيعها من مكونات تجارية متوافرة وبتكلفة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات.
ويرى أن المشكلة لا ترتبط بنقص فى التحديثات، وإنما بطبيعة النظام نفسه، لأن الأقمار الصناعية الموجودة فى المدار المتوسط تبث إشارات ضعيفة بطبيعتها، وهو ما يسمح لأجهزة التشويش القريبة بالتغلب عليها بسهولة. وحتى النسخة العسكرية المطورة المعروفة باسم M-Code لا تغير هذا الواقع بصورة جوهرية، بحسب التحليل.
وفى المقابل، يشير ثيبو إلى أن الصين أدركت مبكرًا هذه الثغرات، فاتجهت إلى تطوير منظومات ملاحة تعتمد على كوكبات من الأقمار الصناعية فى المدار الأرضى المنخفض، وهى أقمار تبث إشارات أقوى بكثير وصُممت لمقاومة التشويش والحرب الإلكترونية.
وأضاف أن بكين تسعى إلى ترسيخ مكانتها فى قطاع الملاحة الفضائية خلال العقود المقبلة، لافتًا إلى أن الكونجرس الأمريكى أقر فى قانون تفويض الدفاع للعام الماضى بأن الولايات المتحدة بدأت تتراجع خلف الصين فى مجال الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
ويرى أن الحل يكمن فى الاستفادة من قدرات الشركات الأمريكية الخاصة التى نجحت بالفعل فى تطوير أقمار صناعية للملاحة تعمل فى المدار الأرضى المنخفض بتمويل خاص، وتوفر إشارات تزيد قوتها بنحو مائة مرة مقارنة بإشارات GPS التقليدية، كما تتمتع بمقاومة أكبر للتشويش والتزييف، وتوفر دقة تصل إلى مستوى السنتيمترات، ويمكن تشغيلها باستخدام أجهزة الاستقبال الحالية مع الاكتفاء فى كثير من الحالات بتحديثات برمجية.
ولفت إلى أن قوة الفضاء الأمريكية بدأت بالفعل مراجعة استراتيجيتها بعدما ألغت خلال العام الجارى مشروع إنشاء كوكبة حكومية جديدة تحت اسم R-GPS، واتجهت إلى دراسة الاعتماد على الخدمات التجارية، لكنه اعتبر أن هذه الخطوة تمثل بداية فقط.
ودعا إلى تخصيص بند مستقل فى موازنة الدفاع لعام 2027 لتمويل خدمات الملاحة التجارية، مؤكدًا أن تكلفته ستكون أقل من تكلفة إطلاق قمر صناعى واحد من طراز GPS III، كما طالب بالتعاقد المباشر مع الشركات الخاصة لتقديم خدمات تشغيلية فعلية بدلًا من الاكتفاء بالدراسات، إضافة إلى وضع معايير تنظيمية تلزم قطاعات النقل والطاقة والزراعة والطيران بتحديث أنظمة الملاحة لديها، مشيرًا إلى أن كثيرًا من السفن التى عبرت مضيق هرمز أثناء الأزمة كانت تستخدم أجهزة استقبال يزيد عمرها على 15 عامًا.
وفى تحليل منفصل نشرته نيوزويك، قال جوشوا تاليس، المسئول السابق فى البحرية الأمريكية والمدير الحالى لبرنامج شئون أمن الحلفاء والشركاء فى مركز التحليلات البحرية، إن قدرة إيران على إلحاق أضرار بالاقتصاد العالمى عبر مضيق هرمز تمثل، من بعض الجوانب، «سلاحًا أقوى من القنبلة النووية»، لأن تأثيرها الاقتصادى الواسع يمنحها وسيلة ضغط استراتيجية قد تكون أكثر فاعلية من الردع النووى فى بعض الظروف.
وأوضح تاليس أن الهجمات الإيرانية منخفضة التكلفة على السفن التجارية تدفع شركات الشحن والتأمين والبحارة إلى إعادة تقييم مخاطر العبور، وهو ما يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر فى حركة التجارة العالمية، محققًا لإيران مكاسب استراتيجية مقابل تكلفة سياسية محدودة. وأضاف أن استخدام النفوذ على حركة الملاحة فى مضيق هرمز أكثر قابلية للاستخدام سياسيًا من السلاح النووى، كما يصعب على الولايات المتحدة الرد عليه عسكريًا بشكل متناسب دون المخاطرة بتوسيع نطاق المواجهة.
من جانبه، رأى المحلل الأمنى الإيرانى مصطفى نجفى أن التطورات الأخيرة أظهرت تراجع فاعلية الردع الأمريكى، معتبرًا أن التهديد باستخدام القوة العسكرية لم يعد يحمل التأثير نفسه لدى إيران وعدد من القوى الإقليمية والدولية. وأضاف أن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على استغلال نقاط ضعف الانتشار الأمريكى من خلال أساليب الحرب غير المتماثلة، بهدف رفع تكلفة الوجود العسكرى الأمريكى، وتقييد حرية حركته، ودفع واشنطن تدريجيًا إلى تقليص وجودها فى المنطقة، وهو ما يجعل مضيق هرمز ساحة رئيسية لهذا النوع من الصراع الذى يجمع بين الحرب الإلكترونية والضغط الاقتصادى والتنافس العسكرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض