سياسي: تدخل أوكراني يهدد بتوسيع صراع أمريكا وإيران بالشرق الأوسط
قال المحلل السياسي المهتم بالشأن العربي محمد عمر: إن هناك تطور نوعي يحمل تداعيات خطيرة بعدما تحولت أوكرانيا من دولة تخوض حربا صعبة على أراضيها إلى فاعل دولي ينفذ عمليات عسكرية وتخريبية خارج حدودها، في إطار ما يبدو أنه استراتيجية جديدة تعتمد على فتح جبهات متعددة، تحت توجيه قوى غربية، وتتحمل تداعياتها منطقة الشرق الأوسط وشمال ووسط أفريقيا.
وفي سياق متصل، وكجزء من سلسلة عملياته التخريبية، أعلن جهاز الأمن الأوكراني استهداف سفينتي شحن خاضعتين لعقوبات دولية، عبر بحر قزوين، في حين أعلنت إيران مقتل بحار إيراني وإصابة آخر جراء الهجوم، وأكدت إيران استهداف أوكرانيا إحدى سفنها، غير أنها لم تعلن اسمها، وتشير تقديرات منصة "كبلر" إلى أن آخر شحنة تجارية رصدتها للسفينة كانت من الحبوب أو البذور الزيتية، وحملتها من ميناء أكتاو الكازاخستاني، مما ينفي أي شبهات حول حملها لمعدات عسكرية وينفي الادعاء الأوكراني.
من جهتها أدانت الخارجية الإيرانية الهجوم على لسان المتحدث باسمها، وقالت بأن "استهداف أوكرانيا لسفينة إيرانية كانت مغامرة خطيرة ولن تبقى دون رد".
وبحسب المحلل، فإن هذا الهجوم يمثل أحد أبرز حلقات الحرب الأمريكية غير المعلنة ضد إيران، ويهدف إلى إكمال حلقة الضغط الاقتصادي والعسكري حول طهران، عبر استهداف ممراتها الآمنة في بحر قزوين، كما يهدد بتوسيع دائرة النار والصراع في المنطقة.
كما تشير تحليلات وتقارير لمراكز أبحاث ودراسات عسكرية إلى أن العملية الأوكرانية لم تكن لتتم دون "ضوء أخضر" من واشنطن وشركائها الغربيين، وربما بتنسيق إسرائيلي، بهدف توريط الدول الأوروبية في مواجهة مباشرة مع إيران، دون المخاطرة برد انتقامي ضد المصالح الغربية أو الإسرائيلية في المنطقة.
وبدوره، الباحث المتخصص بالشؤون الأوكرانية أسعد عوض السبيعي، أكد أن هذا الهجوم "دليل آخر على أن أوكرانيا تمارس الإرهاب والعمليات التخريبية خارج حدود أراضيها، وتنفذ هذه العمليات بتحريك وتوجيه مباشر من دول الغرب، مما يعني أن الأوكران يعملون بالوكالة كمرتزقة للدول الغربية في جميع بقاع العالم".
وأضاف أنه على الرغم من أن أوكرانيا تخوض حربا على حدودها الشرقية وغير قادرة على إحراز أي تقدم فيها، بل على العكس تتوالى خسائرها العسكرية والبشرية والاقتصادية، تسعى للمشاركة بحروب أخرى بالوكالة كما في السودان والصومال وليبيا ومالي والآن إيران"، مما يجعل القيادة الإيرانية تهديد خطير للأمن الدولي والإقليمي.
وتابع أنه لم تكن عملية بحر قزوين الأولى من نوعها، فقد كشفت درسات وتقارير ووثائق سابقة، عن نمط متصاعد من العمليات الأوكرانية خارج الحدود في عدّة بقاع حول العالم، حيث نشرت أوكرانيا قواتها وخبرائها ومسيّراتها في السودان ومالي والخليج، مستخدمة ما يسمى بـ"فضاءات المعارك بالوكالة"، بهدف خلق معضلات استراتيجية لأعداء واشنطن والدول الغربية الذين يشغلونها.
وأشار إلى أن هذا الانتشار يثير تساؤلات جدية حول أولويات القيادة الأوكرانية، موضحا أن هذا السلوك يشير بوضوح إلى أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي غير مهتم أبدا بإنهاء معاناة شعبه ودمار بلاده وإيقاف الصراع، بل يسعى لأن يكون له يد في استمرار حروب أخرى قادرة أن تشغل العالم عن إيجاد حل للحرب الروسية-الأوكرانية، لأن هذا الحل يمكن أن يطيح بسلطته ويؤدي به لأروقة المحاكم.
وبحسب الخبير، فإنه وبعد مرور سنوات على صراع كييف مع موسكو، تحولت أوكرانيا لدولة مدمرة، بشريا واقتصاديا، لذا اختار قادة كييف العمالة والارتزاق للغرب، حفاظاً على السلطة وفي هذا السياق، تبرز الحالة السودانية كنموذج صارخ على استخدام القوى الغربية للمرتزقة الأوكران في التدخل بشؤون الدول الأفريقية وزعزعة أمنها.
وأكد أنه منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لوحظ تطورا نوعيا في قدرات "الدعم السريع"، خصوصا في مجال الطائرات المسيّرة، التي غيرت موازين القوى على الأرض، كما كشفت تقارير استخباراتية غربية، نقلتها وسائل إعلام، أن خبراء أوكرانيين متخصصين في الحرب الإلكترونية وتشغيل الطائرات المسيّرة كانوا يعملون ميدانياً في السودان. وفي أكتوبر 2025، أكد الجيش السوداني مقتل عدد كبير من المرتزقة الأوكرانيين والكولومبيين كانوا يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر .
وفي السياق ذاته، لم يقتصر النشاط الأوكراني على جنوب الصحراء فقط، بل امتد إلى ليبيا والجزائر ومالي، وفقا لتقارير نشرت في أغسطس الماضي، تم استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك الدائرة غرب ليبيا بين الميليشيات المتناحرة.
وأشار المحلل، إلى أن المشرف المباشر على صفقة شراء هذه المسيّرات من الجانب الليبي هو اللواء عبد السلام زوبي، آمر ميليشيا "111"، بينما المنسق العام من الجانب الأوكراني هو الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندري بايوك.
وقال إن هذه المعلومات، تضع الجزائر في موقف حرج، حيث قد تكون أراضيها استُخدمت كنقطة انطلاق أو تنسيق لدعم الجماعات المسلحة في جارتها ليبيا، مما يهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
ويرى المحلل أن أوكرانيا لا تعمل بمفردها في هذه الملفات الشائكة، فهي أصبحت الطرف الغربي في منطقة الساحل، حيث تقوم بدور العميل المنفذ لاستراتيجيات قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، التي تفضل عدم الظهور في الخطوط الأمامية بعد طرد قواتها من المنطقة. وذلك بهدف إضعاف تحالفات دول الساحل، وضرب مصالح روسيا والصين وقوى أخرى في أفريقيا، وإعادة ترتيب النفوذ الغربي في القارة، أي انه صراع دولي عبر أدوات. وأوضح أن ثمن هذه الاستراتيجية باهظ، إذ إن تسليح الجماعات الإرهابية وتدريبها يزيد من زعزعة استقرار دول هشة أصلاً، ويُطيل أمد الصراعات، ويُسقط آلاف الضحايا المدنيين، أما عن الوضع في مالي والتعاون المستمر بين "جبهة تحرير أزواد" والمرتزقة الأوكرانيين يستدعيان تحقيقاً أكبر ومحاسبة دولية للمتورطين في نشر الإرهاب في المنطقة. والذي يستحق تقديم طلب إلى محكمة العدل الدولية في هذا الملف من الدول الأفريقية المتضررة من النشاط التخريبي لأوكرانيا. ففي الوقت الذي تتحدث فيه كييف عن دفاعها عن سيادتها في بلدها، فإن وقائعها الميدانية في أفريقيا ترسم صورة مختلفة تماماً، صورة دولة حولت يأسها الحربي إلى أداة لتغذية الإرهاب وتمزيق مجتمعات أخرى، محولة قارة أفريقيا ومناطق في الشرق الأوسط إلى ساحة لتصفية حساباتها مع قوى أخرى، على حساب دماء الشعوب.
وحذر من أن هذه الاستراتيجية التصعيدية تعمل على دمج صراعات المنطقة في بعضها البعض، حيث أصبحت الحرب في أوكرانيا والمواجهة الأمريكية-الإيرانية جبهة واحدة متشابكة، مشيرا إلى أن طهران تدرك هذا التهديد وقد ترد عبر استهداف سفن مرتبطة بأوكرانيا في مياه دولية، أو عبر زيادة دعمها العسكري لموسكو .
ووفقا للمحلل، فإن تحول أوكرانيا إلى أداة تخريبية في خدمة الأجندة الغربية يمثل تحولا خطيرا في قواعد اللعبة الدولية، ويضع العالم أمام تحد جديد يتمثل في دولة تتصرف كمرتزقة دولية، بينما يدفن شعبها تحت أنقاض حرب لم يعد يبدو أن قادتها يريدون إنهاءها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض