تُروى عن الساعات الأولى من الغزو الألمانى النازى للاتحاد السوفيتى، فجر 22 يونيو 1941، واقعة تختصر مأساة المركزية العمياء. أرسل قائد موقع حدودى إلى قيادته يقول: «نتعرّض لإطلاق النار. ماذا نفعل؟» فجاءه الرد: «لا بد أنك فقدت عقلك! ثم لماذا ترسل إشارتك من دون شفرة؟»
قد لا نستطيع الجزم بحرفية هذا الحوار، لكن الثابت تاريخيًّا أن القوات السوفيتية على الحدود كانت مقيّدة بأوامر صارمة تحذّرها من الرد على ما سمّته القيادة «استفزازات»، وأن تعليمات الاستعداد للقتال وصلت متأخرة إلى وحدات كثيرة. وبينما كانت المدافع الألمانية تقصف المواقع والطائرات تهبط عليها كالصقور، ظل بعض الضباط ينتظرون الإذن من قيادة بعيدة لم ترَ الدخان ولم تسمع صراخ الجنود. وكانت النتيجة شللًا فى الساعات الحاسمة وخسائر فادحة فى بداية عملية «بارباروسا ».
لا تُذكر هذه الواقعة لمقارنة المدرسة بساحة الحرب، بل لأن المركزية المفرطة تُنتج العجز نفسه فى كل مؤسسة: الفرد الموجود فى الموقع يرى المشكلة بعينيه، لكنه لا يملك حق التصرف؛ والذى يملك القرار يجلس بعيدًا ولا يرى منها إلا تقريرًا صعد إليه بعد فوات الأوان.
وفى التعليم عندنا تبدو هذه الآفة واضحة. منهج واحد يُفرض على مدارس تختلف فى بيئاتها وإمكاناتها واحتياجات تلاميذها. امتحان نهائى مركزى واحد يقرر مصير مئات الآلاف، كأن اثنتى عشرة سنة من التعلم يمكن اختزالها فى ساعات قليلة وورقة أسئلة واحدة. ثم تُجمع أوراق الإجابة فى منظومة تصحيح مركزية، ويصبح الخطأ الصغير فى صياغة سؤال، أو تقدير إجابة، أو إدخال درجة، قادرًا على تغيير مستقبل طالب وأسرة كاملة.
أما مدير المدرسة، وهو الأقرب إلى المعلم والتلميذ وولى الأمر، فكثيرًا ما يُعامَل كموظف لتلقى التعليمات وتنفيذها. فإذا تعطلت الفصول، أو نقص المدرسون، أو ظهرت مشكلة خاصة ببيئته، رفع مذكرة وانتظر. وقد يعرف الحل، لكنه لا يملك سلطة تطبيقه. وهكذا يتعلم الموظف، مع مرور الزمن، أن السلامة ليست فى المبادرة، بل فى إخلاء المسئولية: «لقد أبلغنا الجهات المختصة، ونحن فى انتظار الرد.»
ولا يعنى علاج المركزية غياب نظام التعليم أو ترك كل مدرسة تفعل ما تشاء؛ فلا غنى عن معايير وطنية تضمن العدالة والجودة. لكن وضع المعايير شيء، والتحكم فى كل تفصيل شيء آخر. المطلوب مركز يحدد الغايات ويراقب النتائج، وأطراف تختار الوسائل، وتكيّف بعض المناهج، وتعالج الطوارئ، وتقيّم أداء الطلاب بأكثر من امتحان واحد.
فى مصرنا الحديثة، لا ينبغى لمؤسسة أن تسأل العاصمة كيف تطفئ حريقًا يشتعل أمامها. أعطوا مَن يقف بجوار النار سلطة الحركة، ثم حاسبوه. فعندما تحتكر القمة المعرفة والمنهج والقرار، يصبح المسئول فى موقعه عينًا ترى الحريق، ويدًا ممنوعة من إطفائه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض