قالوا: لا نريده من غرفة الإنعاش
وزارة الثقافة بين "لعنة الكرسي" وأزمة الهوية
وزير جديد أم مشروع لإنقاذ أمة؟
مثقفون: الإدارة قبل الإبداع شرط النجاة
يجب أن يكون "منّا" وليس هابطا بالبراشوت
نريد وزيرا للاستثمار الثقافي لا للثقافة
عليه أن يتصدى لمراكز القوى ويدعم قصور الثقافة
ضرورة استحضار تجربتي ثروت عكاشة وفاروق حسني
إعادة فتح الجسور بين الثقافة والشارع
في دول العالم، تعد الوزارة ميزانا تقاس به نهضة الأمم، وفي مصر، هناك ميزان واحد مازال يبحث عن اتزانه. كلما وضعوا فيه مثقفا مال، وكلما اعتلاه إداري طار..
تلك هي وزارة الثقافة..
كرسي ثقيل لا يثبت عليه أحد طويلا، ومنصب صعب لا يُرضي أحدا تماما، وتجربة تتكرر، فتُخطئ، فتُعاد.
هنا لا يُقاس الوزير بعدد ما افتتح، بل بعدد ما استطاع أن يحافظ عليه.. وهنا لا يُسأل: ماذا غيرت؟ بل يُسأل: ماذا أنقذت؟
ومنذ عام 2011، لم يعد الكرسي ملعونا، صار الكرسي اختبارا، وتعثر فيه الكثيرون.
جاء من جاء بعد الثورة فرفع الشعارات. وعدوا بـ "ثقافة للشعب" ثم اصطدموا بواقع معقد: ميزانيات محدودة، ومؤسسات تحتاج إعادة بناء، وتوقعات لا تنتهي.
وجاء من جاء في زمن "الترميم"، فوجد قصورا تتصدع، ومكتبات مغلقة، ومشروعات متوقفة.
منهم من اكتفى بالتقارير، ومنهم من اكتفى بالافتتاحات.
ومنهم من حاول فتعثر، ومنهم من خاف فتراجع، ومنهم من ارتكب أخطاء استحق عنها الإقالة، أو حفظ ماء وجهه بالاستقالة.
هكذا صارت المعادلة قاسية: العمل مكتوفي الأيدي يعرضك لمقصلة الرأي العام، والصمت يضمن لك البقاء؛ فاختار كثيرون طريق السلامة.
وماذا عن النتيجة؟ ميزانية تُصرف على مؤتمرات خاوية على عروشها وندوات "تُستف" وتراث يُرمم على الورق، ومشروعات تُعلن ولا تكتمل، وأزمات يتم تصديرها ولا تنتهي.
ومنذ 2011 إلى اليوم.. صار الجلوس على الكرسي بلا رؤية سببا في "تآكل" صاحبه.
لهذا لم نعد نسأل السؤال الساذج: من هو الوزير القادم؟
بل صار سؤالنا وجوديا: هل سيأتي أحد أصلاً؟
وإذا أتى... فبأي قلب سيحمل هذا الحمل؟ وبأي رؤية سيخرجنا من هذا النفق؟
في هذا التحقيق، لا نوجه السؤال إلى رئيس الوزراء، بل نوجهه إلى الضمير الثقافي للأمة، هكذا سألنا الأدباء فلم يعطونا أسماء.
أعطونا تشريحا للجثة، وخارطة طريق للإنقاذ.
فجاءت آراؤهم ليست مطالب فئوية، بل صوت مثقفين قرروا أن يقولوا للسلطة قبل فوات الأوان:
إن لم تنقذوا الثقافة الآن... فلن يبقى ما تنقذونه غدا..

* الوزير وحده لا يكفي
بداية يرى الشاعر جابر بسيوني أن المشكلة ليست في الوزير، بل في الوزارة ذاتها. مؤكدا أن الوزارة منذ إنشائها عام 1952 تحت مسميات متعاقبة: الإرشاد القومي، ثم الإرشاد القومي والثقافة، ثم الثقافة، قد اختلفت اليوم كثيرا، فلم تعد هيئة الوزارة كما هي تليق بزماننا..
وأوضح أن الوزارة اليوم مثقلة بمؤسساتها ومبانيها وديونها. فقطاع الفنون التشكيلية، والهيئة العامة للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة، وهيئة قصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية.. لكل منها سبب وُجد من أجله، لكن المعنى غاب وبقي المبنى. وصرنا أمام هياكل تستهلك الموارد ولا تنتج الأثر.
وكشف بسيوني أنه سأل الوزير الأسبق أحمد فؤاد هنو عن إعادة افتتاح قصر التذوق بسيدي جابر، فكان الرد: يحتاج 150 مليون جنيه. فمن أين؟ معتبرا أن هذا نموذج واحد من أزمات متلاحقة بلغت المليارات.
ورأى جابر أن وزارة الثقافة تحتاج قبل أي شيء إلى ثلاثة أمور: أولاً إعادة هيكلة مؤسساتها ودمج المتداخل منها. وثانيا تطوير العنصر البشري، فـ90% من العاملين يحتاجون تدريبا وتحديثا حقيقيا، وثالثا مشروع ثقافي واضح قابل للتنفيذ، لا حبراً على ورق.
وشدد جابر بسيوني على أننا لا نحتاج مسكنات، بل نحتاج وزيرا يجيد الإدارة قبل الإبداع. مؤكدا أنه قبل اختيار الوزير يجب تنفيذ أمرين:
سداد ديون الوزارة، ووضع مشروع ثقافي يليق بمصر أم الحضارة. واختتم قائلاً: "فالوزير وحده لا يكفي".

* إصلاح منظومة العمل الثقافي أولاً
وها هو الشاعر عيد عبد الحليم، رئيس تحرير مجلة "أدب ونقد"، يبدأ الحديث عن الأزمة من الجذر، قائلا:
"وزارة الثقافة واحدة من أهم الوزارات التي تعنى ببناء العقل والوعي، وقد تراجعت وزارة الثقافة المصرية منذ يناير 2011 لأسباب تتعلق باختيار الوزراء، فلم يقدم أي منهم للعمل الثقافي شيئا، مما جعل كثيرا من المؤسسات الثقافية أشبه بخرابات، يسيطر عليها الموظفون، وتنفي كل ما هو إبداعي.
ويستدعي عبد الحليم لحظة التأسيس ليقيم المقارنة قائلا: هذا عكس ما بدأت به وزارة الثقافة عند إنشائها مع ثورة يوليو 1952، حيث كانت قيادتها في يد المثقفين والمبدعين، فأنجزوا وأضافوا.
ويشخص الداء في الاختيارات الإدارية: منذ يناير 2011 ونحن نسمع عن أسماء لا علاقة لها بالإبداع والثقافة تتولى مسؤولية هيئات ثقافية مهمة مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، ولا تقدم شيئاً يذكر لأنها بعيدة عن الوسط الثقافي.
ومن هنا تأتي وصيته الحاسمة:
أتمنى أن يكون الوزير الجديد من المبدعين...
لا نريد أساتذة جامعة، ولا سياسيين، نريد مبدعا يتولى شؤون الثقافة، شاعرا كان أو روائيا، لا نريد أحدا من شلة المنتفعين أو ماسحي الجوخ، ومن يتسلقون على حساب الآخرين.
نريد وزيرا منا، لا نريد أحدا ممن يهبطون بالبرشوت على الساحة الثقافية، وفي النهاية تكون المحصلة صفرا، كما حدث في السنوات الماضية.
ويختم عيد عبدالحليم بالتأكيد على دور جيله في سد الفراغ: "نحن من صنعنا الثقافة الحقيقية خلال العشرين عاما الماضية بالمؤتمرات التي نقيمها على نفقتنا الشخصية والأنشطة الثقافية المستقلة التي تجذب المبدعين من الوطن العربي.. لا نريد وزيرا من غرفة الإنعاش، فالثقافة فعل حياة، وتحتاج إلى مجهود لأنها منوط بها بناء عقل أمة.

*الثقافة من حق الجميع
فيما قال الشاعر والمؤرخ والكاتب الصحفي ماهر حسن، إن وزير الثقافة القادم لابد أن يكون صاحب تاريخ في العمل الثقافي الميداني، أو قامة ثقافية معروفة، ولديه "روشتة" مسبقة ترصد مثالب المشهد الثقافي والوزارة وإيجابياتهما، ويضع خطة منهجية بالاستعانة بالخبراء في كل مجال على حدة لمعالجة هذه المثالب.
وأضاف حسن أن على رأس أولويات الوزير الجديد أن يجعل شعار "الثقافة من حق الجميع" قولاً وعملاً ونشراً، وأن يدعم هيئة قصور الثقافة باعتبارها هيئة حاضرة في كل مدن ومحافظات مصر، لتترجم معنى اسمها القديم "الثقافة الجماهيرية"، لأن أصحاب العقول الخاوية من المعرفة يصبحون مرتعاً لأصحاب الأفكار الظلامية.
وتابع: يجب إعادة فتح الجسور بين الثقافة والمثقفين والهيئات الثقافية من جانب، وبين الشارع من جانب آخر، لتعويض غياب "المثقف العضوي"، مع التصدي بشجاعة لمراكز القوى داخل المؤسسات الرسمية، والنأي عن المحاباة والشللية لتعميم النزاهة في كل القرارات.
وأشار إلى ضرورة أن يستحضر أي وزير نماذج الوزراء الذين لعبوا دوراً مهماً وحققوا إنجازات، وذكر منهم اثنين حققا نقلة نوعية هما ثروت عكاشة وفاروق حسني.
واختتم حسن تصريحه قائلاً: يتعين على من يختار وزيراً جديداً أن يحيط علماً بسيرة المرشحين ليكون اختياره صائباً، أما فيما يتعلق بترشيح أسماء تليق بشغل هذا الموقع والقيام بهذه الرسالة فهذا أمر صعب.

* مدة الصلاحية... وسؤالان يؤرقان الوسط الثقافي
أما الشاعر والكاتب الصحفي جمال فتحي، فيرى أننا "ندور من جديد في الدائرة ذاتها ونجتهد في البحث عن اسم مناسب لملء فراغ كرسي وزارة الثقافة التي لم يعد يعيش لها وزير".
ويختزل الأزمة في سؤالين: الأول من هو الاسم المناسب ليتولى المسؤولية، والثاني ما مدة صلاحيته؟!
ويتحفظ فتحي على فكرة ترشيح أسماء بعينها قائلا: لست ممن يحبذون ترشيح اسم دون آخر مهما كان جديرا بالمسؤولية لأننا بالضرورة نظلم آخرين.
لكنه يدعو الأجهزة المعنية إلى فهم طبيعة الوزارة ومتطلباتها والمشهد الذي تديره وأهدافها القريبة والبعيدة، لعل تلك المرة يأتي الاختيار المناسب الذي يريح الجميع.
ويضع شرطين للمرشح المثالي، بقوله: يفضل تلك المرة أن يكون قريبا من جموع المثقفين، وحبذا لو كان أحد المثقفين الكبار شرط أن يتمتع بتجربة إدارية ناجحة، أو أن يكون شابا من الكوادر الصاعدة التي تحمل رؤى حديثة ومختلفة للثقافة المصرية بعيداً عن الشعارات القديمة البائسة.

أريد وزيرا للاستثمار الثقافي لا للثقافة
ومن زاوية إدارية مغايرة، يقدم الروائي محمد صالح البحر تشخيصا مختلفا، فهو يقول: لا أستغرب ترشيح الكثير من الأدباء والمثقفين لشخصيات بعينها، لكن العمل الطويل بوزارة الثقافة علمني أن إدارة الثقافة تختلف تماماً عن الثقافة نفسها.
ويفصل: الإدارة تحتاج إلى قدر عالٍ من المرونة، وعدم الانتماء إلى فئة محددة من المبدعين، وقدرة عالية على قراءة العاملين وتوظيفهم بشكل مناسب... أمور قد تتعارض مع فكرة المثقف الخالص.
لكنه لا يفصل بين الصفتين، بل يطالب بالجمع بينهما في قوله: من المؤكد أنه سيكون من الأفضل إن اجتمعت الصفات الإدارية مع الثقافية في شخصية واحدة.
ويضع جوهر مطالبه في كلمة: "الاستثمار"، حين يقول:
الأهم الآن أن يمتلك الوزير القادم رؤية مغايرة وواضحة لعمل نقلة نوعية في العمل الثقافي المصري، تُزيل عنه التكلس، وتجلي عنه الصدأ، وتخلصه من الكثير من الأمراض التي تُقيد حركته. وأن يعرف كيف يستثمر مبدعيه وإبداعه وفنونه وفنانيه وتراثه وأرضه وإمكانياته، وينقل وزارة الثقافة من كونها وزارة خدمية، إلى وزارة قادرة على الاستثمار في الثقافة والمثقفين، ونقل مصرنا الحبيبة إلى مكانتها الحقيقية التي تستحقها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض