«جيهان».. من قفص الاتهام إلى محكمة الرأي العام
حينما أسقط «كتاب» وزيرة الثقافة
المثقفون: بقاء الوزيرة فى منصبها إهانة لروح مصر الثقافية
منذ أمس الأول، لا صوت يعلو فى الوسط الثقافى فوق دويّ مطرقة محكمة النقض.. نعم، فلم يكن مجرد حكم قضائى روتينى، بل كان زلزالًا أصاب أركان الوزارة فى مقتل، حين أُسدل الستار نهائيا وبشكل بات على قضية «سرقة الكتاب»، لتتم إدانة وزيرة الثقافة د.جيهان زكى، حيث لم يترك تقرير اللجنة الثلاثية لخبراء الملكية الفكرية مجالا للتأويل أو الشكوك؛ بل كان بمثابة مشرط جراح كشف عن نقل حرفى واقتباسات طمست الحدود بين عملين، لتؤكد المحكمة بكلمتها الفصل: لقد نالت الوزيرة من الطابع الإبداعى للمصنف الأصلى. والآن، ومع إلزامها بدفع تعويض مالى يصل لمائة ألف جنيه وسحب الكتاب من الأسواق، لم يعد السؤال «ماذا حدث؟»، بل بات السؤال الوجودى والبدهى: ماذا بعد؟
فأمام هذا الحكم البات، يبرز التساؤل الدستورى الذى لا يحتمل التأجيل: ألا يقتضى هذا الحكم إقالة الوزيرة فورا؟
وذلك عملا بالمادة (164) من دستور جمهورية مصر العربية -التى تشترط فى الوزير أن يكون «متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية»، وهذا الشرط يعنى قانونًا أنه لم يُحرم من هذه الحقوق بموجب حكم قضائى فى جناية أو جنحة مخلة بالشرف والأمانة، مثل (السرقة، النصب، خيانة الأمانة، التهرب الضريبى، الرشوة، وغيرها من الجرائم)، ليصبح وجود حكم جنائى نهائى بات فى جريمة تمس الشرف والاعتبار مانعا دستوريًا من تولى المنصب الوزارى، حيث يفقد الشخص تلقائيًا شرط التمتع بحقوقه المدنية والسياسية.
ترى هل ستعتبر تلك الإدانة تمس الشرف والأمانة، وحينئذ يصبح البقاء فى المقعد الوزارى تحديا صارخا للدستور ولمبادئ النزاهة التى يجب أن يتحلى بها رجل الدولة؟
على أن الأخطر من بقاء الوزيرة أو رحيلها، هو «التبعات الزلزالية» لما بعد الحكم. فإن هناك تساؤلا يطرح نفسه فى الأروقة المغلقة: ما مصير القرارات التى اتخذتها الوزارة فى المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحكم الابتدائى والبات؟
هل سيحسم القانون تلك الإشكالية ليقضى ببطلان كل ما صدر فى تلك الفترة؛ من قرارات مالية، وتعيينات، وندب، وتسكين للمستشارين. لنجد أنفسنا أمام «بيت من ورق» إدارى، قد ينهار بالكامل أمام أى طعن قضائى قادم؟ أم أن للقانون ذاته رأيا آخر؟
على أن دائرة أسئلتنا تتسع لتشمل وزير الإعلام الذى دافع باستماتة عن هذه القضية؛ فهل سيتقدم باعتذار واجب للكاتبة سهير عبدالحميد، وهى الزميلة النقابية التى نال منها «السطو»؟
وفى غمرة هذا المشهد العبثى، يبرز اسم المحامى على أيوب كـ «أيقونة» للصمود؛ فهو الذى قُضى بحبسه 3 سنوات لمجرد أنه نطق بالحقيقة وأشار إلى واقعة السرقة. اليوم، وبعد أن أقر القضاء بالواقعة، نسأل: من يرد للمحامى أيوب اعتباره؟ ومن يعوضه عن أيامه خلف القضبان، وعن القلق الذى ألمّ ببيته وأطفاله؟
ودعونا نطرح تساؤلا يجوب العقول رغم قصر الألسنة عن تناوله: هل ذلك الملف الذى ظننا أنه أُغلق -المتعلق بالمتحف المصرى الكبير والقضية رقم 71 لسنة 2024- التى طالت فيها الوزيرة حينما كانت رئيسة للمتحف المصرى الكبير وتمت إقالتها فى 18 أكتوبر 2024، أى بعد حوالى 4 شهور فقط، وذلك فى واقعة اختفاء أحد التماثيل البرونزية لأوزوريس من المتحف، هل سوف يفتح أبوابه من جديد ليؤكد أن الأمر ليس مجرد «واقعة عابرة»، بل هو خلل هيكلى فى معايير اختيار المسئولين منذ البداية لتلك المناصب القيادية؟ لنعيد معه تساؤلا سبق وأثرناه على صفحات الوفد من خلال تقرير للزميلة نهلة النمر فى فبراير الماضى، بعد صدور الحكم الابتدائى: ماذا ستفعل الدولة إذا أدانت محكمة النقض وزيرة الثقافة؟ هل ستعتبر الأمر مجرد واقعة قانونية عابرة، أم ستعترف بأن هناك خللًا فى معايير الاختيار يستوجب المراجعة والاعتذار؟
اليوم، وقد باتت الإدانة واقعا مؤكدا، نعيد طرح التساؤل أمام المثقفين ليقولوا هم كلمتهم.. وهى كلمة سنستعرضها فى السطور التالية:
<< ثغرات فى منظومة الاختيار
بداية، يلقى الشاعر سمير درويش باللوم على منظومة الاختيار، مشيرا إلى أن الدولة -بما تملكه من أجهزة رقابية ومراكز أبحاث وسيادية- كان ينبغى أن تضع حدا لهذا المشهد «السيئ» الذى وضعت فيه الأطراف جميعًا.
يقول درويش: «الجميع مدانون ما عدا القضاء المحترم الذى أصدر حكما تاريخيا لم يلتفت لأى ضغوطات. إن استمرارها فى المنصب فى ظل حكم بات ليس مقبولًا، فتهمتها ليست تجاوز سرعة أو مشاجرة، بل سرقة كتاب ثقافى.. أليس شيئا مفزعا؟». ويضيف درويش أن الحل يكمن فى تدخل رئاسة الوزراء لدفعها نحو الاستقالة، مشددا على أن الخطوة القادمة يجب أن تكرس لاختيار الأكفأ، لا البيروقراطيين الذين يسيرون الأعمال بلا رؤية.
<< خطيئة التعيين ومأزق القرارات الباطلة
وفى السياق ذاته، يرى الشاعر وليد ثابت أن جذور الأزمة تمتد إلى ما قبل الحكم، مؤكدًا أن الخطأ الجوهرى بدأ منذ اللحظة الأولى لتعيين الوزيرة، رغم وجود دعوى قضائية مرفوعة ضدها ومثارة للرأى العام. ويتساءل ثابت: «كيف يقرر رئيس مجلس الوزراء، المسئول الأول عن التشكيل الوزارى، المضى قدمًا فى هذا التعيين؟».
ولا يتوقف «ثابت» عند حدود التساؤل، بل يفتح ملفا إداريا شائكا، فيسأل: ما مصير كل القرارات التى اتخذتها الوزارة فى الفترة الفاصلة بين الحكم الابتدائى وتأييد الحكم؟ ليؤكد قاطعا أن: «كل هذه القرارات يجب أن تكون باطلة بحكم القانون»، لا سيما القرارات المالية، والتعيينات، محذرا من أن الموضوع يتجاوز قضية «كتاب مسروق»؛ فنحن أمام وطنٍ وثقافةٍ تُسرق.
<< الاستقالة طريق التحرر والرقى
هكذا، وفى إجماع أدبى، اتفقت أصوات مثقفين على أن الاستقالة هى المخرج الوحيد لحفظ ما تبقى من هيبة المنصب.
فها هو الكاتب وحيد الطويلة يرى أن الاستقالة «مثال ديمقراطي» ضرورى لرفع الإحراج عن نظام الحكم، مؤكدًا: «لم ولن أقبل الإدانة دون حكم، ولكن طالما رُفض الطعن، فعلى الوزيرة أن تضرب المثال، فهى وزيرة الثقافة.. التى مهما أهملتها الأنظمة تبقى بها روح من روح مصر».
بينما يقدم الشاعر مجدى أبوالخير شهادة متوازنة، مشيدا بما حققته الوزيرة فى بعض الملفات الميدانية فى الصعيد والدلتا، لكنه يؤكد فى الوقت نفسه: «يا دكتورة، ستكون يدك مرتعشة بعد تأييد الحكم، لذا بيدكِ لا بيد أحد أعلنيها، تحررى من هذا القيد، وعودى لعملكِ، والله سيفتح لكِ أبوابا أخرى».
وفى رأى يبدو مختلفا عن السائد، يرى الكاتب محمد محمد مستجاب، فى مطالبة ترتقى إلى مستوى «الأمنية الثقافية»، حين يقول: «من اللائق والراقى أن تبادر الوزيرة بتقديم استقالتها. نحن لا نطالب بإقصائها، بل نطالبها بأن تتصرف بصفتها كاتبة أولًا، تؤمن بالقضاء وتلتزم بحكمه، وتسعى لمصالحة صاحبة الحق. الدولة لا ينبغى أن تكون طرفا خصما، وغياب هذه الثقافة هو ما أوصلنا إلى هذا الوضع».
ختاما، فإن حكم النقض لم يعد مجرد ورقة قانونية، بل أصبح «مرآة» كاشفة لمؤسسة الثقافة. وباتت الكرة الآن فى ملعب الوزيرة، وفى ملعب الحكومة التى وضعت نفسها فى اختبار أخلاقى ودستورى. فهل ستنتصر الدولة لقيم النزاهة والإبداع، أم ستظل الثقافة رهينة لقرارات «باطلة» وتوازنات أوهنت من هيبة القلم والرأي؟ الأيام القادمة، هى التى ستكتب الفصول الأخيرة فى هذه الرواية المؤلمة.






تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض