رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يظل هناك أناس يمتلكون ثروة لا تُقاس بحجم الحسابات البنكية، وإنما بحجم الرضا الذي يسكن قلوبهم. في زمن غابت فيه البركة عن حياة كثيرين رغم وفرة المال.
فالقناعة ليست ضعفًا ولا استسلامًا، بل هي نعمة عظيمة تجعل الإنسان يرى الخير فيما يملك، ويحمد الله على القليل قبل الكثير. وبينما يلهث البعض خلف المزيد دون أن يشعروا بالاكتفاء، تجد آخرين يعيشون حياة بسيطة، لكنهم يملكون راحة بال لا تُشترى بثمن.
بمجرد أن أعلنت الحكومة عن زيادة المعاشات بنسبة 15%، اتصلت بأحد أقاربي مازحًا: «مبروك.. المعاشات زادت». سألني ببساطة: «يعني كام جنيه؟». قلت له إن الزيادة في حدود 300 أو 400 جنيه تقريبًا، بالنسبة لأجمالى معاشك،فكان رده السريع: «الحمد لله.. كويسين».
أغلقت الهاتف، لكن كلماته ظلت تتردد في أذني. سبحان الله، هناك من تزيد دخولهم الخاصة بآلاف الجنيهات، ومع ذلك لا يكفون عن الشكوى والتذمر، بينما هذا الرجل الذي تجاوز منتصف الستينيات، ولديه أسرة وأبناء في الجامعة، وما زال يعمل عملاً إضافيًا حتى يستطيع الوفاء بالتزاماته، استقبل هذه الزيادة المتواضعة بعبارة واحدة: «الحمد لله».
القناعة ليست أن يرضى الإنسان بالفقر أو يستسلم للظروف، وإنما أن يدرك قيمة النعمة التي بين يديه، وأن يؤمن بأن الرزق بركة قبل أن يكون أرقامًا في حساب مصرفي. فكم من أموال كثيرة بلا بركة، وكم من دخل محدود جعله الحمد والرضا مصدرًا للسعادة والطمأنينة.
هذا الرجل لم يتمنَّ أن يغنيه المعاش عن العمل، ولم يجلس يلعن الظروف أو يقارن نفسه بمن هم أكثر منه مالًا، بل اختار أن يحمد الله، وأن يواصل السعي، وأن يعيش راضيًا بما قسمه الله له، مؤمنًا بأن الاجتهاد واجب، وأن الرضا نعمة لا تقل أهمية عن المال نفسه.
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه المقارنات تفسد على الناس فرحتهم، فدائمًا هناك من يملك أكثر، ومن يسافر أكثر، ومن يربح أكثر. لكن الحقيقة أن السعادة ليست في حجم ما نملك، وإنما في قدرتنا على تقدير ما لدينا.
ولعل أجمل ما يرزق الله به الإنسان ليس المال الكثير، وإنما القلب القنوع. فالقناعة لا تمنع الطموح، لكنها تمنع الجشع، ولا تحرم الإنسان من الأحلام، لكنها تحميه من السخط.
ولهذا قيل قديمًا: «القناعة كنز لا يفنى»، لأنها تمنح صاحبها راحة لا تُشترى بالمال، وتجعل القليل كثيرًا، وتجعل الحمد بابًا لبركة قد تعادل في قيمتها أي راتب أو ثروة.
فالنعمة الحقيقية ليست فيما تملك، بل في رضاك عما تملك، وفي يقينك بأن الحمد الدائم هو مفتاح المزيد، مصداقًا لقوله تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».
لقد أدركت من هذه المكالمة القصيرة أن أغنى الناس ليس بالضرورة من يملك المال الأكثر، بل من يملك نفسًا راضية وقلبًا عامرًا بالحمد. فكم من إنسان يعيش بمرتب محدود لكنه يشعر بالبركة في كل شيء، وكم من آخر يملك الكثير ولا يعرف طعم الرضا. ولعل أجمل ما يمكن أن يرزق الله به عباده ليس زيادة في الأرصدة، وإنما زيادة في القناعة، لأن المال قد ينفد، والمناصب قد تزول، أما القلب الذي تعود أن يقول «الحمد لله» فهو صاحب الكنز الحقيقي الذي لا يفنى.