تعديلات قانون الشركات بعد 45 عاماً.. هل تفتح مصر صفحة جديدة لجذب الاستثمار؟
في عالم الاقتصاد الحديث، لا تقاس قوة الدول فقط بحجم مشروعاتها أو مواردها الطبيعية، بل بقدرتها على بناء بيئة أعمال مرنة وعادلة وشفافة تشجع المستثمر على ضخ أمواله بثقة وأمان، ومن هذا المنطلق تأتي أهمية موافقة مجلس الشيوخ على دراسة الأثر التشريعي الخاصة بتعديل بعض أحكام قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981، وهو القانون الذي ظل يمثل الإطار التشريعي الرئيسي للشركات المصرية لأكثر من أربعة عقود.
فبعد أكثر من 45 عاماً من التطبيق، شهد الاقتصاد المصري والعالمي تحولات جذرية لم تكن موجودة عند صدور القانون؛ من الاقتصاد الرقمي والتحول التكنولوجي والحوكمة البيئية والاجتماعية، إلى المنافسة الدولية الشرسة على جذب رؤوس الأموال، لذلك فإن التعديلات الجديدة تمثل محاولة جادة لتحديث الإطار القانوني للشركات بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور كرم سلام عبدالرؤوف سلام، الخبير الاقتصادي الدولي ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، وعميد كلية العلوم الإدارية جامعة باشن العالمية، أنه يمكن اعتبار هذه التعديلات خطوة إيجابية ومهمة للغاية، خاصة أنها تستهدف معالجة عدد من المشكلات العملية التي ظهرت خلال سنوات التطبيق. ومن أبرز المؤشرات الإيجابية: خفض مدة مراجعة تقييم الحصص العينية من 60 يوماً إلى 30 يوماً، أي تقليص زمن الإجراءات بنسبة 50%، وإسناد التقييم إلى جهات متخصصة معتمدة بما يحد من تضارب المصالح.
تعزيز قواعد الحوكمة والشفافية، ورفع الحد الأقصى لأسهم الخزينة من 10% إلى 20%، بما يمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة رؤوس أموالها، وتأتي هذه التعديلات في وقت تتنافس فيه أكثر من 180 دولة حول العالم على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث أصبحت سرعة الإجراءات وكفاءة التشريعات أحد أهم معايير اتخاذ القرار الاستثماري.
وأكد"سلام"، على أن هذه التعديلات وحدها ليست كافية لجذب الاستثمار، فالتشريعات تمثل نحو 30% إلى 40% فقط من قرار المستثمر، بينما تمثل الإجراءات التنفيذية والبيروقراطية وسرعة الحصول على التراخيص والبنية التحتية واستقرار السياسات الاقتصادية النسبة الأكبر. فالمستثمر لا يبحث فقط عن قانون جيد، بل عن:سرعة تأسيس الشركات، ووضوح الإجراءات، وسهولة استخراج التراخيص، واستقرار النظام الضريبي، وسهولة تحويل الأرباح، وكفاءة القضاء الاقتصادي، لذلك فإن نجاح التعديلات سيتوقف بدرجة كبيرة على مدى قدرة الجهات التنفيذية على تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي يشعر به المستثمر. فالتجارب الدولية الناجحة تؤكد أن تحسين ترتيب الدول في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال يعتمد على التنفيذ أكثر من التشريع وحده.
أما عن التأثير المتوقع على الشركات الصغيرة والمتوسطة، أشار الخبير الاقتصادي، على أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل العمود الفقري للاقتصاد المصري. وتشير التقديرات إلى أن هذه الشركات تمثل أكثر من 90% من إجمالي المنشآت الاقتصادية، وتوفر ما يقرب من 75% من فرص العمل في القطاع الخاص، ومن ثم فإن استفادتها من التعديلات ستكون كبيرة للأسباب التالية:تسريع إجراءات التأسيس وزيادة مرونة ممارسة الأعمال، وتخفيف الأعباء المرتبطة ببعض متطلبات الإفصاح من خلال إعفاءات مخصصة للشركات الصغيرة، وتعزيز ثقة البنوك والمؤسسات التمويلية في الشركات الملتزمة بالحوكمة، وتسهيل جذب شركاء ومستثمرين جدد، وكما أن تحسين قواعد الحوكمة سيساعد الشركات الصغيرة على الانتقال التدريجي من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي.
ولفت إلى أن يمكن أن تسهم هذه التعديلات في جذب استثمارات محلية وأجنبية جديدة، ولكن بصورة غير مباشرة وتراكمية. فالمستثمر الأجنبي يقيم الدولة من خلال عدة مؤشرات أهمها:حماية حقوق المساهمين، والشفافية والإفصاح، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الحوكمة، واستقرار التشريعات، والتعديلات الجديدة تتعامل مع معظم هذه العناصر بصورة إيجابية، مشيرًا إلى أن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة تحسناً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 9 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2025 وفق البيانات الرسمية المتداولة. كما ساهمت مشروعات استثمارية كبرى في تعزيز ثقة المستثمرين، ومن أبرزها مشروع رأس الحكمة الذي تجاوزت استثماراته المعلنة 22 مليار دولار في مرحلته الأولى. وبالتالي فإن تطوير قانون الشركات يرسل رسالة إيجابية للأسواق الدولية مفادها أن مصر مستمرة في تحسين بيئة الأعمال وتحديث تشريعاتها الاقتصادية.
القطاعات الأكثر استفادة من هذه التعديلات
أشار "كرم"، إلى أن هناك خمسة قطاعات مرشحة للاستفادة بصورة أكبر:
1- القطاع الصناعي لأن الشركات الصناعية تحتاج باستمرار إلى زيادة رؤوس الأموال وإدخال شركاء جدد وإعادة هيكلة الملكية.
2- قطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة إذ تعتمد هذه الشركات على التمويل الاستثماري السريع وجولات التمويل المتعددة، ما يجعل مرونة التشريعات أمراً حيوياً.
3- القطاع المالي غير المصرفي بما يشمله من شركات التأمين والتمويل والاستثمار.
4- القطاع العقاري خصوصاً مع التوسع في الأدوات الرقمية والمنصات الاستثمارية الجديدة.
5- قطاع الخدمات والاقتصاد الرقمي وهو من أسرع القطاعات نمواً في العالم ويعتمد بشكل أساسي على مرونة البيئة التشريعية، منوهًا على أن التعديلات تمثل خطوة مهمة جداً، لكنها ليست نهاية الطريق. فإذا كانت مصر تستهدف تحقيق طفرة استثمارية حقيقية وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي ورفع معدلات النمو والتشغيل، فإن هناك مجموعة من الإصلاحات المكملة لا تقل أهمية، منها:التوسع في التحول الرقمي الحكومي.
تقليل زمن إصدار التراخيص، وتوحيد الجهات الرقابية وتقليل التداخل بينها، واستقرار السياسات الضريبية والجمركية، وتعزيز دور المحاكم الاقتصادية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة مالياً وفنياً، والتوسع في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير منظومة التدريب وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
وأختتم كلامه قائلًا:"تمثل التعديلات المقترحة على قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 خطوة إصلاحية مهمة تعكس إدراك الدولة المصرية لحجم التحولات الاقتصادية العالمية ومتطلبات المنافسة على جذب الاستثمارات. غير أن نجاح هذه التعديلات لن يقاس بعدد المواد المعدلة، وإنما بقدرتها على اختصار الوقت وتقليل التكلفة ورفع مستوى الشفافية وتحسين تجربة المستثمر على أرض الواقع، ففي عالم الاستثمار لا يبحث المستثمر عن أفضل القوانين على الورق، بل عن أفضل بيئة أعمال في التطبيق. وإذا نجحت مصر في استكمال الإصلاح التشريعي بالإصلاح التنفيذي والمؤسسي، فإن السنوات المقبلة قد تشهد موجة استثمارية جديدة تدعم النمو الاقتصادي وتوفر فرص العمل وتعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار والأعمال.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







