رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ليس كل من يسير إلى الأمام منافسا، وليس كل من يقف في مواجهة غيره صاحب قضية، وليس كل من تألم لنجاح الآخرين غيورا بالمعنى النبيل. فثمة خيوط دقيقة تفصل بين التنافس الشريف، والصراع الذي تفرضه المصالح، والغيرة التي قد تتحول إلى حسد يلتهم صاحبه قبل أن يصيب غيره.

التنافس في جوهره قيمة حضارية. هو أن ترى من سبقك فتجتهد لتلحق به، وأن تشاهد نجاح الآخرين فيوقظ فيك طاقاتك لا أحقادك. المتنافس الحقيقي لا ينظر إلى ما في يد غيره، بل ينظر إلى ما في داخله؛ إلى ما يستطيع أن يضيفه، وما يمكن أن ينجزه، وما يتركه من أثر بعد أن يغادر المكان. إنه يؤمن أن السماء تتسع للجميع، وأن الأرزاق لا تتزاحم كما تتزاحم الأجساد في الطرقات، بل تتوزع بعدل الله وحكمة الحياة.

أما الصراع، فهو وجه آخر للحكاية. قد يكون مشروعا حين يكون دفاعا عن حق، أو حماية لقيمة، أو مقاومة لظلم. لكنه يتحول إلى معركة عبثية عندما يصبح هدفه إسقاط الآخر لا بناء الذات، وإطفاء المصابيح لا إشعالها. هناك من لا يشعر بأنه موجود إلا إذا هدم ما بناه غيره، وكأن الحياة لا تمنحه مكانا إلا فوق أنقاض الآخرين.

ثم تأتي الغيرة... ذلك الشعور الإنساني الذي قد يكون بداية للتطور إذا قاد صاحبه إلى الاجتهاد، لكنه يصبح مرضا حين يرفض الاعتراف بفضل الآخرين، ويبدأ في تفسير نجاحهم بالمصادفات أو المؤامرات أو المجاملات. ومن الغيرة يولد الحسد، ذلك الضيف الثقيل الذي لا يطرق بابا إلا أفسد راحة أصحابه. الحاسد لا يريد أن يمتلك النعمة بقدر ما يريد أن يراها تغادر أصحابها، وكأن خسارة الآخرين ستمنحه مكسبا لم يصنعه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الناس يستعيرون لغة التنافس الشريف ليخفوا بها حقيقة مشاعرهم. يتحدثون عن المنافسة بينما قلوبهم مشغولة بالمقارنة، ويعلنون احترام النجاح بينما نفوسهم تضيق كلما لمع اسم جديد. يرفعون شعارات العدالة، لكنهم لا يبحثون عن عدالة تمنح الجميع حقوقهم، بل عن عدالة تعيد توزيع النجاح وفق أهوائهم.

وكثيرا ما نسمع العبارة المتكررة: "الزمن لم ينصفني"، أو "الحياة غير عادلة". وربما يكون في بعضها شيء من الحقيقة، فالحياة لا تخلو من الظلم. لكن الحقيقة الأكبر أن الإنسان مطالب أولا بأن يسأل نفسه: من أنا؟ وما إمكاناتي؟ وما موقعي الحقيقي؟ وماذا أستطيع أن أقدم من خلال هذا الموقع؟

ليست القضية أن تصل إلى مكان يجلس فيه الآخرون، وإنما أن تصل إلى المكان الذي خلقت لتتألق فيه. فكم من إنسان ضيع عمره وهو يطارد مقعدا لا يناسبه، بينما كان يملك القدرة على أن يصنع عرشا في مكان آخر لا يستطيع أحد أن ينافسه فيه. المشكلة ليست دائما في قلة الفرص، بل في سوء اختيار الطريق، وفي الإصرار على السير في أحذية صنعت لأقدام غيرنا.

إن لكل إنسان بصمته التي لا تتكرر، وصوته الذي لا يشبه أحدا، ورسالته التي لا يستطيع غيره أن يؤديها بالطريقة نفسها. لكن الطمع يجعل البعض يترك بستانه ليقف أمام بستان غيره يعد ثماره، وينسى أن أرضه عطشى إلى من يزرعها.

ما أكثر الذين استنزفتهم المقارنات حتى فقدوا لذة الحياة. يقيسون أعمارهم بأعمار الآخرين، ونجاحهم بنجاح غيرهم، وفرحتهم بما يملكه الناس. ولو أنهم التفتوا إلى أنفسهم لوجدوا أن لكل رحلة توقيتها، ولكل زهرة موسمها، وأن الشجرة التي تتعجل الثمار قد تنكسر أغصانها قبل أن تنضج.

إن الرضا ليس استسلاما، بل هو نقطة البداية الحقيقية لكل نجاح. فمن رضي بقدراته عرف كيف ينميها، ومن عرف حدوده استطاع أن يتجاوزها، ومن أدرك مكانه الحقيقي استطاع أن يوسع هذا المكان حتى يصبح وطنا للإنجاز لا ساحة للمقارنات.

في النهاية، لا تقاس قيمة الإنسان بما أخذه من أماكن الآخرين، بل بما أضافه إلى مكانه هو. فالتاريخ لا يتذكر من ظل يطارد ظلال الناس، وإنما يحفظ أسماء الذين أشعلوا شموعهم الخاصة، وساروا في طريقهم ولو كان أطول.

فلنكف عن سؤال الحياة: لماذا أعطت فلانا أكثر؟ ولنسأل أنفسنا سؤالا أكثر شجاعة: ماذا فعلنا نحن بما أعطينا؟

فالأنهار لا تحسد البحار، والنجوم لا تتنافس على احتلال السماء، والوردة لا تغار من النخلة، لأن كلا منها يعرف رسالته، ويؤديها في صمت. وحده الإنسان، حين ينسى نفسه، يضيع عمره وهو يحاول أن يعيش حياة غيره، فيخسر حياته وحياة من حسدهم معا.

إن أجمل انتصار يحققه المرء ليس أن يسبق الجميع، وإنما أن ينتصر على نفسه، ويحرر قلبه من الغيرة، وعقله من المقارنة، وروحه من الطمع فيما ليس له. عندها فقط يصبح التنافس شرفا، والصراع موقفا، والنجاح ثمرة طبيعية لإنسان عرف قدر نفسه، فأحسن استثمارها، وترك للآخرين حقهم في التألق كما ترك لنفسه حقها في أن تكون مختلفة.بدأ الانحراف حين قال
صاحب الجنتين(انا أكثر منك مالا وأعز نفرا) وانتهى الدرس الرباني إلى 
وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها)