رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

"خليك فاكر مصر جميلة" نعم مصر جميلة ، بتراثها  واهلها وفنانيها الذىن يبرز ون جمالها فى اغنياتهم وهم يتغنون بملامح أبنائها وموقعها الجغرافي وبعاداتها وتقاليدها ، من خلال الاغنية الشعبية ، التى لاتقف عند حد الطرب فقط ، ولكنها بمثابة مذكرات تكتب لوصف  تفاصيل حياة يومية ، بما تحمله من كل المشاعر . فرح ، حزن، انكسار ، انتصار، كل هذا يدون بصوت يشبهها  ولحن يرسخ الحكاية ويكتب لها تاريخ ، فيصبح استدعائها تلقائيا ، كلما مرت لحظة مشابهة على ساحة الحياة ، ظلت الأغنية الشعبية صمام أمان للبسطاء ، ميراث شعبى للوطن ، شقت طريقها للتطور ، شأنها شأن كل امور الحياة ، حتى هاجمها هذا الذى أطلق عليه اغنية المهرجان ، والتى لايمكن رفضها كليا لأن لها جمهورها ولكن  الذى لايمكن تجاهله  ان يدخل على هذا النوع من الغناء ، مايمكنه ان يبنى وعيا عنيفا اجراميا من خلال كلماته التى تشبه اعترافات قاتل امام وكيل النيابة بجريمته كاملة ، او كلمات تصف العقوبة على الجريمة ، فى قالب بطولى ومعظم جمهورها من شباب ومراهقين ،كانت الأغنية الشعبية دائمًا ابنة الطريق؛ لا تولد في القصور، بل تخرج من حلقات الذكر، ومن أصوات الباعة، ومن تعب الفلاح حين يعود آخر النهار وفي حلقه موال أطول من الطريق نفسه. اى انها وليدة احداث يومية مؤثرة ، فتحفظ تلك التفاصيل داخل موال او اغنية وبالنظر لحال اغنية المهرجان ، نجد ان ما يخرج عن القانون فى الحياة ، يدون ايضا داخل اغنية فهى لسان حال اللحظة الراهنة ، فاذا ارادنا تغير هذا الاتجاة علينا بتغيره على ارض الواقع اولا فهى
فن لم يطلب الإذن من أحد كي يوجد، لأن الناس حين يفرحون يغنون، وحين ينكسرون  أيضًا يغنون. ولهذا بقيت الأغنية الشعبية أكثر الفنون صدقًا، وتعبيرا، لأنها لم تتعلم اللغة من الكتب بل من الحياة.
في بداياتها، كانت مجرد ذاكرة جماعية. امرأة تهدهد طفلها، مراكبي يغازل النيل، عامل يخفف عن نفسه بالمواويل، أو عاشق يعلق قلبه على مقام حزين في ليلة مولد،  ثم مع الوقت، بدأت هذه الأصوات تتسلل إلى المدينة، حتى صار للشارع المصري موسيقاه الخاصة حين يجوب بائع جائل بعربة خضار شوارعها ويتغنى بجمال بضاعته  وراور يافجل ، حمرا ياقوطة حتى بائع الروبابكيا ينادى بموال على بضاعته، حتى صار للحارة إيقاع يمكن تمييزه من أول جملة
ومع اتساع رقعة المدينة، لم تعد الأغنية الشعبية مجرد غناء للريف أو للأفراح، بل أصبحت وثيقة اجتماعية كاملة؛ تحكي شكل الناس وكيف يرى البسطاء البرجوازيين، بطريقة كلامهم، وأحلامهم الصغيرة، وحتى هزائمهم اليومية. ولهذا حين ظهر مطربون شعبيون كبار، لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شهودًا على زمن كامل وجزءا من الموال نفسه 
وسط هذا المشهد جاء محمد طه كصوت يشبه الطين المصري ، بسيطًا وعميقًا في  لم يكن صوته متكلفًا، مؤثراته الصوتية مشاعره الحقيقية فرحا وحزنا ولم يحاول أن يتجمل خارج بيئته، لذلك بدا وكأنه يغني من قلب القرية لا من داخل استوديو. كان يحمل في نبرته رائحة السواقي، و الحقول، وشيئًا من حكمة الفلاح الذي يعرف الدنيا أكثر مما يشرحها.
تميّز محمد طه بأنه لم يفصل الغناء عن الحكاية. حين يغني، تشعر أن هناك راوي  يجلس على مصطبة ويحكي لك تفاصيل حياة ومشاعر الناس مثل جلسات السمر، لا مطربًا يؤدي أغنية فقط. وربما لهذا بقي أثره؛ لأن الأغنية عنده لم تكن استعراض صوت، بل حالة حياة كاملة.
لقد أعطى للأغنية الشعبية قيمة مختلفة؛ لم يجعلها مجرد وسيلة للرقص أو التسلية، بل مساحة لحفظ الروح المصرية القديمة قبل أن تبتلعها السرعة. وفي زمن بدأت فيه المدن تبتعد عن جذورها، كان صوته يذكّر الناس بأن مصر الحقيقية ما زالت هناك؛ في المواويل، وفي اللهجة الريفية، وفي الحنين الذي لا يشيخ.
وإذا كانت الأغنية الشعبية قد عرفت أصواتًا كثيرة عبر تاريخها، فإن بعض الأصوات مرت كتثاؤب لومضة، بينما تتحول أصوات أخرى إلى “بصمة”. ومحمد طه كان من تلك البصمات التي لا تُمحى بسهولة، لأنه لم يغنِّ للناس فقط، بل غنّى منهم وبهم. ولذلك بقي صوته حيًا، كأن الزمن كلما ابتعد عاد إليه ليستعير منه ملامحه الأولى.