رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 


 

لم يعد الأمر قاصرًا على إسداء النصيحة، أو مشاركة الخبرة، أو تبادل الرأي بين الناس كما كان يحدث قديمًا في المجالس والمنتديات. لقد تطور المشهد حتى أصبح مرتعًا مفتوحًا للفتوى في كل شيء، من شؤون الأسرة والعلاقات الإنسانية إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. يكفي أن يفتح المرء هاتفه المحمول حتى يجد عشرات الوجوه تتسابق إلى تقديم الحلول الجاهزة لمشكلات لم تعشها، ولم تعرف ظروفها، ولم تسمع سوى طرف واحد من حكايتها. والمفارقة أن المتابع المسكين يخرج من المقطع الواحد أكثر حيرة مما دخل إليه. فبين رأيين متناقضين، ونصيحتين متعارضتين، يجد نفسه مشتتًا بين فعلين لا يجتمعان، وكأن سلامه النفسي أصبح سلعة معروضة في سوق مزدحم بالصياح والضجيج. أما صانع المحتوى نفسه، فغالبًا لا يعنيه من الأمر سوى أن تتحول المشاهدات إلى أرقام، والأرقام إلى "ريتش"، والريتش إلى مال. لا يهم إن كانت نصيحته ستنقذ إنسانًا أو تدفعه إلى هاوية جديدة، المهم أن تحقق الحلقة انتشارًا، وأن تثير الجدل، وأن يبقى اسمه حاضرًا في ساحة المنافسة المحمومة. والأغرب أن كثيرًا ممن نصبوا أنفسهم مرشدين للناس ومصلحين لأحوالهم، يحملون في داخلهم مشكلات نفسية أو اجتماعية لم يتمكنوا من حلها بعد. يهربون من معاركهم الخاصة إلى معارك الآخرين، ويبحثون عن دور البطولة في قصص ليست قصصهم، وكأن علاج الذات يبدأ بإصدار التعليمات للآخرين. أتذكر زمنًا كانت فيه معالجة المشكلات الاجتماعية تتم بقدر من الاحترام والوعي والمسؤولية. أتذكر الإعلامية القديرة الراحلة فايزة واصف وبرنامجها الشهير "حياتي" الذي استمر لعقود طويلة. لم تكن المشكلة تُعرض في دقائق خاطفة بحثًا عن الإثارة، بل كانت تُقدم في صورة درامية متكاملة، تكشف أبعادها الإنسانية والاجتماعية والنفسية. وبعدها يُستضاف المختص أو الاستشاري ليقدم رؤية علمية تساعد على الفهم والحل. كان الهدف هو احتواء الأزمة، لا استثمارها. كما أتذكر برنامج "ماذا تفعل لو كنت مكاني؟" الذي قدمه ضياء الدين بيبرس. كانت الفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد؛ عرض قصة واقعية، ثم طرح السؤال الشهير: "ماذا تفعل لو كنت مكاني؟". لم يكن البرنامج يفرض رأيًا واحدًا، بل كان يفتح الباب أمام العقول للتفكير، وأمام الخبرات للتفاعل، وأمام الجمهور للمشاركة في البحث عن حلول منطقية وواقعية. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان "منى" و"سلوى" و"أم عبدو" و"سامح" وغيرهم أن يطلوا علينا من خلف شاشة هاتف ليخبرونا ماذا نفعل، وكيف نعيش، ومتى نغضب، ومتى نسامح، ومتى نهجر، ومتى نعود. يقدمون الأحكام النهائية في دقائق معدودة، بينما تقف خلفهم معاركهم الشخصية التي لم يجدوا لها حلولًا بعد. إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإرباك الناس، بل تزيد من اتساع دوائر الخلاف. فبدلًا من أن تكون النصيحة جسرًا للتفاهم، تتحول إلى وقود للصراع. وبدلًا من أن تُطفئ الحرائق، تصبح سببًا في اشتعالها. يتم تسخين الناس على بعضهم البعض، وتُدفع العلاقات إلى حافة الانفجار، فتتضاعف المشكلة الأصلية وتُضاف إليها مشكلات أخرى أكثر تعقيدًا وقسوة. لا أحد يعترض على تبادل الرأي، ولا على الاستفادة من خبرات الآخرين. فالإنسان بطبعه يحتاج إلى المشورة، وقد قالتها  الملكة بلقيس : "يا أيها الملأ أفتوني في أمري". لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من هم الملأ؟ ومن منح كل عابر سبيل حق الجلوس على منصة الحكمة؟ وهل يكفي عدد المتابعين ليصبح المرء خبيرًا في النفوس والعلاقات والمصائر؟ إن النصيحة مسؤولية قبل أن تكون محتوى، وأمانة قبل أن تكون وسيلة للانتشار. وبين الرأي والمعرفة مسافة طويلة، وبين الشهرة والحكمة هوة عميقة. وربما كانت مشكلتنا الحقيقية أننا لم نعد نفرق بين من يضيء الطريق، ومن يكتفي بإشعال الضجيج حوله. فانتشرت ما يمكن تسميته بـ"التنمية الحشرية"، حيث يتكاثر الناصحون كما تتكاثر الحشرات حول الضوء، لكن الضوء نفسه يزداد خفوتًا يومًا بعد يوم.