رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

 

 

ما أكثر المشاهد التي تدعو إلى الأسى في زمننا هذا، فبضغطة زر واحدة يستطيع أي شخص أن يدخل إلى عالم مواقع التواصل الاجتماعي، ويُدلي برأيه في مختلف القضايا، دون أن يكون من الضروري أن يمتلك خبرة أو معرفة حقيقية، فالآن لم يعد التزييف يحتاج إلى الأكاذيب أو التزوير، ويكفي أن يعرض المرء نسخة مصقولة من ذاته باستمرار، حتى يصدقها الآخرون، وربما يصدقها هو أيضًا، فكثيرون اليوم لا يقدمون حقيقتهم، ويحرصون على ترسيخ الانطباع الذي يريدون أن يراه الناس.

إن "المزيفين الجدد" ليسوا بالضرورة أولئك الذين يتعمدون الكذب أو اختلاق الوقائع، فذلك النوع من الزيف قديم قدم الإنسان، والمقصود هنا نوع آخر أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، لا يقوم على صناعة واقع وهمي، ولكنه يعيد ترتيب الواقع، وانتقاء ما يُظهره، وإخفاء ما لا ينسجم مع الصورة التي يريد صاحبها ترسيخها عن نفسه.. إنها عملية مستمرة لإعادة تشكيل الذات على نار هادئة، حتى تصبح النسخة المعروضة أكثر حضورًا من حقيقتها.

ولعل ما يفسر انتشار هذه الظاهرة أن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن نظرة الآخرين إليه، فمنذ القدم ارتبط الشعور بالقيمة بدرجة من القبول والانتماء، لكن هذا الاحتياج الإنساني تضاعف في عصر أصبحت فيه الحياة تُقاس بما يُعرض منها، لا بما يُعاش فعلًا، وتحولت المنصات الرقمية من وسيلة للتواصل إلى مساحة لإدارة الانطباعات، حيث يمكن اختيار اللحظات، وتنقيح الكلمات، وإخفاء كل ما لا ينسجم مع الهوية المراد تقديمها.

ومن منظور نفسي، لا يبدو هذا السلوك دائمًا تعبيرًا عن الرغبة في الخداع، ولكن يعكس محاولة لتجنب الرفض، فالبعض لا يخشون حقيقتهم بقدر ما يتخوفون من ألا تكون كافية في نظر الآخرين، لذلك يميلون إلى إبراز أكثر جوانبهم إشراقًا، وإخفاء لحظات الارتباك والضعف والتردد، وكأن الاعتراف بها قد ينتقص من قيمتهم، وهنا لا يكون الزيف غاية في ذاته، ويصبح وسيلة تمنح صاحبها شعورًا مؤقتًا بالأمان والقبول.

وربما لهذا السبب لا تكمن المشكلة في وجود هذا الوجه الذي يقدمه الإنسان للعامة، ولكن الكارثة تقع عندما يتحول إلى بديل عن الحقيقة، لا مجرد نافذة عليها، ومع الوقت لا يعود المرء يعرض أفضل ما لديه فحسب، ويعيش، للأسف داخل هذا التصور الكاذب المجافي للواقع، حتى يصبح المرجع الذي يقيس به نفسه، وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات العصر إثارة للتأمل، فهو من يصنع صورته الذهنية في البداية، لكنه لا يلبث أن يصبح خاضعًا لها.

فإذا عُرف بالحكمة، أصبح الاعتراف بعدم المعرفة مكلفًا، وإذا ارتبط اسمه بالنجاح، صار الفشل تهديدًا للانطباع الذي صنعه أكثر منه تجربة إنسانية، وإذا اعتاد الناس رؤيته قويًا، بدا التعب أو الانكسار شيئًا ينبغي إخفاؤه، وهكذا تتحول تلك الصورة إلى إطار يحدد ما يمكن للإنسان أن يقوله، وما يسمح لنفسه بأن يشعر به، وما يسمح للآخرين أن يروه فيه.

ومن هنا تنشأ مفارقة نفسية لافتة، فالقناع الذي صُمم لحماية الإنسان من أحكام الآخرين قد يتحول، مع مرور الوقت إلى عبء ثقيل، فهو لا يخفي الحقيقة فحسب، وقد يحجبها عن صاحبه أيضًا، ومع استمرار هذا الدور، لا يعود القناع شيئًا يُرتدى، ويغدو جزءًا من الهوية، حتى يصبح الفصل بين الشخصية الحقيقية والشخصية التي اعتاد تقديمها أكثر صعوبة.

حقًا، إن أخطر ما في الظاهرة المزيفة ليس أننا أصبحنا أكثر براعة في صناعة الانطباعات، ولكننا بكل أسف، صرنا أقل تمييزًا بين الإنسان وصورته الذهنية، وبين ما يعيشه فعلًا وما يحرص على إظهاره للآخرين، فالقضية لا تتعلق بالكذب الصريح، وإنما بذلك الابتعاد التدريجي عن الذات، حتى يصبح الإنسان مألوفًا لدى الجميع، وغريبًا عن نفسه، وينتهي به المطاف أسيرًا في مدينة المزيفين الجدد!.