رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

 

 

"يا وعدي على الأيام"، ما أبلغ هذه العبارة التي تركها لنا أحمد منيب، لتبقى صالحة لكل زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه الأحوال، أستهل بها حديثي ونحن نعيش حالة من الارتباك المجتمعي، تبدو فيها التغيرات أسرع من قدرتنا على الاستيعاب، وأعمق من مجرد اختلاف بين الأجيال، فما نشهده اليوم لا يقتصر على تطور طبيعي في أنماط الحياة، ويمتد إلى القيم والسلوكيات وطريقة التفكير ذاتها، بما يطرح تساؤلات ثقيلة حول ما إذا كنا قد تغيرنا بالفعل، أم تخلينا عن ثوابت كانت تشكل جزءًا من هويتنا، وبين الحنين إلى ما مضى والقلق مما هو آتٍ، يقف المجتمع أمام مرآة نفسه محاولًا فهم هذا المشهد المعقد الذي يعيد رسم ملامحه يومًا بعد يوم.

في الشارع اليوم يصعب على كثيرين من المهمومين بأحوال الناس، تجاهل التحولات الاجتماعية التي طرأت خلال السنوات الأخيرة، فاللغة تغيرت، ونبرة الحديث أصبحت أكثر خشونة واندفاعًا في بعض الحالات، والسلوك العام بات أكثر فوضوية، وكأن مساحة الضبط الاجتماعي التقليدي قد تآكلت، ولا يتعلق الأمر بالموضة أو الشكل فقط، وإنما بانزياح في مفهوم الذوق العام نفسه لدى شريحة من المجتمع، حتى إن أبسط قواعد الاحترام التي كانت تُمارس تلقائيًا أصبحت محل جدل، فهل نتذكر جميعًا أيام الصبا كيف كان التعامل مع الآخرين؟ كيف كنا نوقر الكبير؟ وكيف كنا نتجنب الألفاظ الخارجة؟ أما اليوم، فقد أصبح سماع عبارات لا تليق في الأماكن العامة أمرًا متكررًا في بعض الحالات، وكأنها جزء من المشهد اليومي، والعجيب أن بعض الشوارع تحولت إلى ساحات للسباب والمشاحنات أمام الجميع دون تمييز، فأين حمرة الخجل؟.

الأسبوع الماضي كنت عائدًا من مشوار برفقة الأسرة، وبينما أسير في أحد الشوارع الجانبية، سمعت ألفاظًا نابية متبادلة بين شابين، الأمر أشبه بغابة لا تحكمها ضوابط أو قيم، وتبادل الطرفان الشتائم بأبشع العبارات، فسرحت برهة وتذكرت زمانًا كنا نقف فيه في الشارع ونحن صغار، وعندما تمر سيدة أو فتاة كانت أعيننا تنخفض احترامًا وتقديرًا، سواء كانت بمفردها أو بصحبة أحد، فهل تغيرت طبائع الناس إلى هذا الحد؟ أم أن التكنولوجيا باتت أداة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل؟ فقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا موازيًا يفرض إيقاعه الخاص على السلوك والقيم، وأصبح كثير من الشباب يقضون ساعات طويلة أمام محتوى لا يخضع لأي معايير تربوية أو أخلاقية، الأمر الذي جعل بعض السلوكيات السلبية تنتقل من الشاشات إلى أرض الواقع دون وعي بخطورتها أو آثارها.

وقبل أن نتبادل الاتهامات حول من أوصلنا إلى هذه النقطة، لا يمكن إلقاء اللوم على الأجيال الجديدة وحدها، فالأبناء هم نتاج بيئة كاملة تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع، وغياب الدور التربوي الفعّال في بعض البيوت خلق فراغًا امتلأ بمؤثرات خارجية أقوى وأسرع، والصمت داخل بعض الأسر أصبح شكلًا من أشكال التنازل غير المعلن عن المسؤولية، ومع مرور الوقت تحولت التربية من مشروع يومي مستمر إلى رد فعل متأخر إن وجد، وهكذا نشأ بعض الأبناء دون مرجعية واضحة وسط هذا التداخل الكبير للمؤثرات.

في الماضي، عندما كنا نخطئ، كان هناك من يوجهنا سريعًا ويصحح أفكارنا قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة، أما اليوم، ففي بعض الحالات ينشغل أولياء الأمور بضغوط الحياة ومتطلباتها المتزايدة، فتتراجع المتابعة اليومية والتوجيه المستمر، وهو ما يترك مساحة أوسع لتأثير المحتوى الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي والسلوك.. وقبل أن ترد ياعزيزي، لست بصدد توجيه اتهامات لك، وأعلم أن الحياة أصبحت أكثر سرعة وتعقيدًا، لكن السؤال يظل قائمًا: متى كانت آخر مرة جلست فيها مع أبنائك للنقاش حول أفكارهم وسلوكياتهم وما يتعرضون له يوميًا؟.. متى راجعت تصرفاتهم وموضة ملابسهم، وقصات الشعر الشيطانية؟.

ولا يجوز البكاء إلا على رأس الميت، لذا أؤكد أن الأخطر اليوم من التغير نفسه هو حالة التطبيع معه دون نقد أو وعي، فقبول التحول دون فهمه يعني فقدان القدرة على توجيهه أو تصحيحه، والمجتمع الذي لا يراجع مساره باستمرار يترك نفسه للتيار بلا بوصلة، وهنا يتحول التغير من فرصة للتطور إلى مسار غير مضمون العواقب، فالخلل ليس في الحداثة أو التكنولوجيا بحد ذاتها، ولكن في غياب التوازن بين الاستفادة من الجديد والحفاظ على ما هو أصيل، وبين الانفتاح على العالم والتمسك بالقيم التي تحفظ تماسك المجتمع، وهي مساحة دقيقة لا تُدار بالشعارات الفارغة، وإنما بالوعي والمسؤولية من الجميع، ولم يعد يجدي الآن أن ينظر المرء إلى السقف، ويجعل أذن من طين وأخرى من عجين.

خلاصة القول.. لا أحد يستطيع إيقاف الزمن أو منع التغير من الحدوث، لكن الفرق دائمًا يكون في طريقة التعامل معه: هل نذوب فيه أم نعيد تشكيله؟ فالقيم لا تموت بين ليلة وضحاها، لكنها تضعف حين لا تجد من يحمي جوهرها بوعي، والحنين وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى فهم نقدي للحاضر، فنحن أمام لحظة اختبار حقيقية، فإما أن نصنع توازننا الخاص، أو نفقده تمامًا، وبين الماضي والحاضر يبقى السؤال حائرًا يبحث عن إجابة: هل تغيرنا حقًا.. أم تغير الزمن؟.