رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

 رغم أن قطاعًا كبيرًا من الشباب يتجه إلى الكليات التي تضمن وظيفةً عقب التخرج، وهو تفكير سليم، فإن هناك من يعاني من قلة الإمكانات، ولا يستطيع الالتحاق بإحدى الجامعات التي تؤهله مباشرةً لسوق العمل، وهؤلاء في الحقيقة قد تكون فرصتهم الأفضل هي تعلّم حرفة تدرُّ دخلًا ثابتًا طوال العمر، بدلًا من الالتحاق بجامعة لا يحتاج إليها سوق العمل، فينضمون إلى طابور كبير من العاطلين، وهو قطاع آخذ في الاتساع.

 أعلم أن هذه الفكرة يدركها قطاع كبير من أولياء الأمور، إلا أن الكارثة الحقيقية الآن هي أن الشباب لم يعودوا يحلمون، فالحلم غريزة إنسانية لا تموت بسهولة، لكن المشكلة الأكبر أن المسافة بين الحلم والحياة اتسعت إلى حد جعل كثيرين يشعرون أن المستقبل لم يعد مكانًا يمكن الوصول إليه، وأصبح فكرةً مجردةً يتحدث عنها الجميع ولا يراها أحد، فكل جيل يحتاج إلى شيء واحد كي يستمر، وهو أن يؤمن بأن غده قد يكون أفضل من يومه، فتلك الفكرة البسيطة هي التي دفعت ملايين البشر إلى العمل والصبر والتحمل عبر التاريخ.

 والواقع أن الإنسان لا يتحمل المشقة لأنه يحبها، وإنما لأنه يعتقد أن هناك معنى في نهايتها، وحين يختفي هذا المعنى، تتحول الحياة إلى سلسلة من الأيام المتشابهة التي تُعاش بلا يقين، وما يواجهه كثير من الشباب اليوم ليس أزمة مال فقط، ولا أزمة وظائف فقط، ولا حتى أزمة سكن أو زواج، بل هو أزمة أعمق من ذلك بكثير، إنها أزمة مع الزمن نفسه، حيث أصبح  في ليلة وضحاها إلى عبئًا بدلًا من أن يكون أفقًا للأمل.

 فالماضي لم يعد صالحًا للاقتداء، والحاضر مثقل بالضغوط، أما المستقبل، الذي كان دائمًا مساحةً للأمل، فقد أصبح مساحةً للقلق، فقد كان الإنسان قديمًا يقيس عمره بما أنجزه، أما اليوم فأصبح كثيرون يقيسون أعمارهم بما تأخر عنهم، يتقدم العمر بينما تظل محطات الحياة الكبرى مؤجلة، بيت مؤجل، وزواج مؤجل، واستقرار مؤجل، وأحيانًا حتى الشعور بالأمان نفسه مؤجل، ومع تراكم هذه التأجيلات يتحول المستقبل من وعد إلى دين ثقيل لا يعرف أحد متى يحين موعد سداده.

 لقد عاشت الأجيال السابقة الفقر والحروب والأزمات، لكنها كانت ترى أمامها طريقًا واضحًا مهما كان شاقًا، أما المأزق الحالي فهو أن الطريق نفسه أصبح ضبابيًا، يبذل الإنسان الجهد ذاته، وربما أكثر، دون أن يحصل على الإحساس نفسه بالتقدم، يركض كثيرًا، لكنه لا يشعر أنه يقترب من أي شيء، ولهذا تبدو السخرية منتشرة بين الشباب أكثر من أي وقت مضى، وليست السخرية هنا دليلًا على خفة دم أو استهتار، يمكنك أن تُطلق عليها شكلًا من أشكال الدفاع عن النفس، فحين يعجز الإنسان عن تغيير الواقع، يحاول على الأقل أن يهزمه بالنكتة.

 وحين تصبح النكتة أكثر حضورًا من الأحلام، فذلك ليس دليلًا على السعادة، ولكن على عمق الجرح، فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يغضب الشباب،  أو يشتكون، بل عندما يتوقفون عن الانتظار، عندها يفقد الإنسان اقتناعه بأن الغد يحمل احتمالًا مختلفًا، وعندها لا ينهار المجتمع اقتصاديًا فقط، ويفقد أحد أهم مصادر بقائه، وهو الأمل، فالأمم لا تُبنى بالموارد أو بالمشروعات وحدها، ولا بالأرقام وحدها أيضًا.

 في الحقيقة، تُبنى الأمم حين يشعر الشاب الذي يستيقظ صباحًا أن هناك مكانًا له في الغد، وأن جهده لن يضيع هباءً، وأن الزمن يعمل معه لا ضده، وحين يفقد جيل كامل هذا الشعور، تصبح الأزمة أكبر من أن تُقاس بمؤشرات الاقتصاد، أو معدلات البطالة، إنها أزمة معنى، وأخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس أن يفتقر أبناؤه إلى المال، وإنما أن يفتقروا إلى الإيمان بأن الغد يستحق الانتظار.