رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

سيرة وأثر

قصة بكار بن قتيبة.. رمز استقلال القضاء في التاريخ الإسلامي لقاضي

القاضي بكار بن قتيبة
القاضي بكار بن قتيبة

بكار بن قتيبة يعد واحدًا من أهم القضاة في تاريخ الحضارة الإسلامية، فقد ضرب أروع الأمثلة في النزاهة والعدل واستقلال القضاء، حتى أصبح اسمه رمزًا للقاضي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. وتكشف سيرته كيف حافظ بكار بن قتيبة على هيبة القضاء، ورفض الخضوع لضغوط الحكام، مفضلًا السجن على التفريط في مبادئه، لتبقى قصته شاهدًا على عظمة القضاء الإسلامي عبر العصور.

من هو بكار بن قتيبة؟

هو بكار بن قتيبة بن أسد بن عبيد الله بن بشير الثقفي، من أحفاد الصحابي أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه، ولد بمدينة البصرة سنة 182 هـ، واشتهر بعلمه الواسع في الفقه والحديث حتى أصبح من كبار القضاة والمحدثين في عصره.

وتولى القضاء في مصر سنة 246 هـ في عهد الخليفة العباسي المتوكل، وعُرف منذ بداية ولايته بالورع والدقة في إصدار الأحكام، فلم يكن يقضي في خصومة حتى يستمع إلى أطرافها ويتثبت من الأدلة والشهادات، ثم يراجع نفسه خشية الوقوع في الخطأ.

إمام في الحديث والفقه

لم يكن بكار بن قتيبة قاضيًا فحسب، بل كان أيضًا من كبار علماء الحديث، عارفًا بعلوم الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من الضعيف، وهو ما أكسبه مكانة كبيرة بين علماء عصره.

وتذكر المصادر التاريخية أن أحمد بن طولون، والي مصر آنذاك، كان يحضر مجالس قضائه ليستمع إلى أحكامه دون أن يشعره بوجوده، إعجابًا بعلمه وعدله.

موقف تاريخي يجسد استقلال القضاء

ومن أشهر المواقف التي تؤكد نزاهته، قضية رجل توفي وعليه دين لأحمد بن طولون، حيث طلب الوالي بيع دار المدين لسداد الدين.

إلا أن القاضي رفض إصدار الحكم مباشرة، واشترط أولًا إثبات الدين، ثم إثبات ملكية الدار، وبعدها ألزم صاحب الدين، وهو أحمد بن طولون نفسه، بأداء اليمين أمام المحكمة، وبعد استكمال جميع الإجراءات الشرعية فقط أصدر حكمه ببيع الدار.

ويبرز هذا الموقف كيف أن بكار بن قتيبة كان يطبق أحكام الشريعة على الجميع دون تمييز بين حاكم ومحكوم.

دقة بالغة في قبول الشهادات

اشتهر القاضي الكبير بتحريه الشديد في قبول شهادة الشهود، وكان يتحقق من عدالتهم وسيرتهم قبل الاعتماد على شهاداتهم.

ومن أشهر الوقائع أنه رفض شهادة أحد معارفه القدامى من أهل البصرة بعدما تذكر موقفًا صدر منه في شبابه رأى فيه نوعًا من الاستهزاء بآية قرآنية، فبقي ذلك في نفسه وعدّه سببًا يمنع قبول شهادته، في موقف يعكس مدى حرصه على العدالة.

رفض إرضاء السلطان فدخل السجن

كان أحمد بن طولون يرسل إلى القاضي كل عام ألف دينار زيادة على راتبه، لكن القاضي لم ينفق منها شيئًا، بل كان يحتفظ بها مختومة كما وصلته.

وعندما طلب الوالي منه الموافقة على خلع الموفق العباسي من ولاية العهد، رفض القاضي الانصياع لهذا الطلب، مؤكدًا أن مثل هذا القرار لا يملكه والٍ بمفرده، وأنه قد يجر الأمة إلى الفتن وسفك الدماء.

فغضب ابن طولون، وطالبه برد الأموال، فإذا بالقاضي يعيدها كاملة كما هي، مختومة لم يمسها، ثم أمر الوالي بسجنه سنوات طويلة.

يعلّم الناس الحديث من داخل السجن

ورغم السجن، لم تتوقف رسالة العالم الجليل، فقد طلب علماء الحديث من أحمد بن طولون السماح لهم بالسماع من القاضي، فوافق، وأصبح بكار بن قتيبة يحدث طلاب العلم من نافذة سجنه، بينما يجلسون خارجه يكتبون عنه الحديث.

النهاية المؤثرة بين القاضي والوالي

عندما مرض أحمد بن طولون مرض الموت، شعر بتأنيب الضمير، فأمر بالإفراج عن القاضي، وأرسل إليه يطلب منه المسامحة.

لكن رد القاضي جاء بكلمات أصبحت من أشهر العبارات في التاريخ الإسلامي، فقال:

"أنا شيخ كبير، وأنت عليل، والملتقى قريب، والحكم لله."

فتأثر ابن طولون وبكى، وظل يردد هذه الكلمات حتى توفي، ثم لحق به القاضي بعد أربعين يومًا فقط سنة 270 هـ.