رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

على امتداد التاريخ الإسلامي، شهدت الأمة خلافات سياسية ومذهبية متعددة، كان من أبرزها الخلاف الذي نشأ بين السنة والشيعة، والذي تطور عبر القرون ليأخذ أبعادا ََ فكرية وعقدية وسياسية متشابكة .. وقد شهدت بعض الدول والمجتمعات فترات من التوتر والصدام بسبب هذه الخلافات، حتى أصبحت في بعض الأحيان عاملا ََ مؤثرا ََ في الاستقرار السياسي والاجتماعي ، إلا أن المتأمل في الحالة المصرية يلاحظ ظاهرة لافتة تستحق الدراسة والتأمل؛ فبرغم مرور مصر بعصور حكم مختلفة، منها ما ارتبط بالدولة الفاطمية ذات المرجعية الشيعية، ومنها ما ارتبط بدول ومؤسسات سنية، فإن المجتمع المصري لم يشهد انقسامًا مذهبيا ََ حادا ََ ومستداما ًَ كالذي عرفته مناطق أخرى.
ويرجع ذلك في تقديري إلى طبيعة الشخصية المصرية نفسها، وهي شخصية تميل بطبيعتها إلى الاعتدال والبحث عن الاستقرار أكثر من ميلها إلى الصراعات الفكرية الحادة .. فالمصري عبر تاريخه الطويل كان أكثر اهتماما ََ بجوهر التدين وقيمه الأخلاقية والإنسانية من اهتمامه بالخوض في المعارك المذهبية المعقدة، ولذلك ظل الدين بالنسبة له عامل بناء وتماسك اجتماعي أكثر منه ساحة للخصومة والانقسام.
كما أن محبة آل بيت رسول الله ﷺ احتلت مكانة خاصة في وجدان المصريين عبر القرون .. غير أن هذه المحبة لم تُترجم إلى اصطفاف مذهبي بقدر ما تحولت إلى حالة وجدانية عامة شارك فيها مختلف أبناء المجتمع. فأصبحت أسماء السيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الحسين وغيرهم من آل البيت رموزا ََ للمحبة والاحترام والتقدير لدى عموم المصريين، بغض النظر عن أي تصنيف مذهبي. وهكذا نجح المجتمع المصري في تحويل ما كان يمكن أن يكون محل خلاف إلى مساحة جامعة للمحبة والاحترام.

ولعبت المؤسسات الدينية والعلمية المصرية دورا ً مهما ََ في ترسيخ هذا النهج، وعلى رأسها الأزهر الشريف الذي تبنى عبر تاريخه الطويل خطابا ََ يقوم على الوسطية والاعتدال ونبذ التكفير والتعصب. وقد أسهم ذلك في حماية المجتمع من الانزلاق إلى صراعات مذهبية حادة، ورسخ ثقافة احترام الاختلاف دون تحويله إلى عداء.

كما لا يمكن إغفال تأثير التصوف في تشكيل الوجدان المصري .. فالتصوف المصري في جوهره ركز على تزكية النفس والقيم الروحية والمحبة والتسامح، وهو ما ساعد على تخفيف حدة الاستقطاب الفكري والمذهبي، ولهذا وجد المصريون في الروحانيات المشتركة مساحة أوسع من مساحة الخلافات النظرية.

ومن الأسباب المهمة أيضا ََ أن المصريين، عبر تاريخهم الطويل، كانوا يواجهون تحديات أكبر وأكثر إلحاحا ََ من إعادة إحياء نزاعات تاريخية مضى عليها مئات السنين. فبناء الدولة، ومواجهة الغزوات والاحتلالات، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتحسين أوضاع المعيشة، كانت جميعها قضايا أكثر قربًا من اهتمامات الناس من الدخول في معارك مذهبية لا تغير من واقعهم شيئا ََ.
ولذلك ظلت مصر، رغم كل ما مرت به من تحولات سياسية وفكرية، نموذجا ََ لمجتمع استطاع أن يحافظ على وحدته الوطنية والدينية دون أن ينكر وجود الاختلافات .. فلم يكن المطلوب أن يتفق الجميع في كل شيء، بل أن يدرك الجميع أن التعايش والاحترام المتبادل أكثر نفعا ََ للأوطان من الخصومات التي لا تنتهي.

وربما تكمن خصوصية التجربة المصرية في أنها لم تنكر الخلافات التاريخية، لكنها رفضت أن تجعل منها أساسا ََ للعلاقات بين الناس؛  فاحتفظ كل طرف بقناعاته، بينما بقي الوطن هو المظلة الجامعة للجميع، وبقيت المحبة والاحترام والتسامح أقوى من دعوات الفرقة والانقسام.

وفي زمن تتزايد فيه محاولات استدعاء الخلافات القديمة وإعادة إنتاجها في ثوب جديد، تبدو التجربة المصرية جديرة بالتأمل؛ فهي تذكرنا بأن قوة الأوطان لا تكمن في غياب الاختلاف، بل في القدرة على إدارة الاختلاف بحكمة، وأن ما يجمع أبناء الوطن الواحد من مصالح ومصير مشترك وقيم إنسانية أوسع بكثير من أي خلاف مذهبي أو فكري.
لذلك بقيت مصر في معظم مراحل تاريخها ؛ نموذجا ََ يؤكد أن التعايش ليس ضعفا ََ، وأن احترام المختلف لا يعني التخلي عن القناعة، وأن الأوطان تُبنى بالتفاهم والتسامح أكثر مما تُبنى بالخصومات والصراعات.