»ﻧﻴﻮزوﻳﻚ«: اﻟﺸــــــﺮع ﻳﺴــــﻴﺮ ﻓــــﻮق ﺣﻘﻞ أﻟﻐـــــﺎم
ﺳﻮرﻳﺎ ﺑين ﺿﻐﻮط واﺷﻨﻄﻦ وﻃﻤﻮﺣﺎت ﻧﺘﻨﻴﺎﻫﻮ وأردوﻏﺎن
فيما تحاول سوريا التقاط أنفاسها بعد أكثر من عقد من الحرب والصراع، يجد الرئيس السورى، أحمد الشرع، نفسه أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيدا منذ وصوله إلى السلطة أواخر عام 2024. فالدولة التى نجحت حتى الآن فى تجنب الانجرار إلى المواجهات الإقليمية المباشرة باتت تواجه ضغوطا متزايدة من أطراف عدة، فى مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، ما يجعل القيادة السورية الجديدة تسير فى حقل ألغام سياسى وأمنى شديد الحساسية.
ومع دخول الولايات المتحدة وإيران فى هدنة هشة بعد أشهر من التصعيد العسكري، أصبحت دمشق فى قلب معادلة إقليمية جديدة تفرض على الشرع إدارة توازنات دقيقة بين مصالح متعارضة. فمن جهة، يسعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى تعزيز علاقته بالإدارة السورية الجديدة، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو التشكيك فى نيات الشرع والسعى إلى تقويض حكمه. وفى المقابل، يبرز الرئيس التركى رجب طيب أردوغان باعتباره الداعم الإقليمى الأهم للقيادة السورية الجديدة والضامن الأساسى لاستقرارها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تحول كبير فى السياسة الأمريكية تجاه دمشق. فالشرع، الذى كان حتى وقت قريب مصنفا من قبل واشنطن على قوائم الإرهاب، تحول إلى شريك سياسى للولايات المتحدة بعد تعهده ببناء دولة أكثر شمولا واستقرارا. وقد عزز هذا التحول اللقاءات المتكررة التى جمعته بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وصولا إلى استقباله فى البيت الأبيض خلال نوفمبر الماضي.
غير أن هذا التقارب لا يخلو من التحديات. فقد أثارت تصريحات ترامب الأخيرة بشأن إمكانية اضطلاع سوريا بدور فى مواجهة حزب الله داخل لبنان حالة من القلق داخل الأوساط السياسية السورية. وكان الرئيس الأمريكى قد أعرب، فى مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، عن خيبة أمله من عدم نجاح إسرائيل فى القضاء على حزب الله، ملمحا إلى إمكانية إسناد هذه المهمة إلى سوريا مستقبلا وألمح الى الدور الأمريكى فى تولى الشرع الحكم.
لكن الشرع سارع إلى احتواء التداعيات السياسية لهذه التصريحات، مؤكدا أن حديث ترامب أسيء فهمه، وأن المقصود كان دعم سوريا لأى جهود تؤدى إلى حلول سلمية وآمنة فى لبنان، وليس التدخل العسكرى المباشر.
ويرى دبلوماسيون ومراقبون أن القيادة السورية تدرك حساسية الملف اللبنانى وتعقيداته التاريخية. فالعلاقة بين البلدين ظلت لعقود مصدرا للتوتر والانقسام، كما أن أى تدخل سورى جديد فى الشأن اللبنانى قد يثير رفضا واسعا داخل لبنان ويعيد إلى الواجهة إرثا سياسيا وأمنيا ثقيلا.بحسب تحليل نشرته مجلة نيوزويك.
وفى هذا السياق، يرى الدبلوماسى السورى السابق، بسام بربندى، أن غالبية السوريين لا يحملون تعاطفا كبيرا تجاه حزب الله بسبب دوره فى دعم النظام السابق خلال سنوات الحرب، إلا أن ذلك لا يعنى استعداد دمشق للانخراط فى مواجهة عسكرية جديدة.
ويؤكد «بربندى» أن سوريا لا ترغب فى الدخول فى تحالفات عسكرية ضد أى طرف، خاصة مع إسرائيل التى لا تزال تحتل أراضى سورية وترفض الانسحاب منها، مشددا على أن القيادة السورية الحالية تسعى إلى تجنب أى مغامرات قد تهدد استقرار البلاد الهش.
كما حذر جيمس جيفري، المبعوث الأمريكى السابق إلى سوريا، من أن أى تدخل سورى فى لبنان ستكون له تداعيات سياسية خطيرة، وقد يؤدى إلى توحيد مختلف القوى اللبنانية خلف حزب الله، فضلا عن تعقيد السياسة الأمريكية فى المنطقة.
وترى نيوزويك أنه فى موازاة الضغوط الأمريكية، يواجه الشرع تحديا آخر يتمثل فى العلاقة المتوترة مع إسرائيل. فمنذ سقوط نظام الأسد، تعاملت حكومة نتنياهو بحذر وعدائية مع القيادة السورية الجديدة. وبعد أيام قليلة من وصول الشرع إلى السلطة، شنت إسرائيل واحدة من أكبر حملاتها الجوية داخل الأراضى السورية، بالتزامن مع توغل برى فى مناطق جديدة خارج الجولان المحتل. كما واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ ضربات متكررة داخل سوريا تحت مبرر حماية التجمعات الدرزية فى الجنوب السوري، الأمر الذى أثار استياء واسعا فى دمشق وأنقرة على حد سواء.
وتنظر تركيا بقلق متزايد إلى التحركات الإسرائيلية فى سوريا ولبنان. فقد حذر الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، مؤخرا من أن الضربات الإسرائيلية المتواصلة باتت تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومى التركي، فى وقت بدأت فيه أصوات داخل إسرائيل تعتبر أن النفوذ التركى فى سوريا قد يمثل تهديدا يفوق حتى التهديد الإيراني.
ورغم هذه التوترات، نجح الشرع حتى الآن فى تجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل، مفضلا انتهاج سياسة تقوم على خفض التصعيد وفتح قنوات اتصال غير معلنة مع تل أبيب، بالتوازى مع تعزيز تحالفه الاستراتيجى مع أنقرة.
ويرى نيكولاس هيراس، مدير وحدة الاستراتيجيات والبرامج فى معهد نيو لاينز، أن حكومة الشرع تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، إلا أن هذه المهمة تزداد صعوبة فى ظل سعى نتنياهو وحلفائه إلى خلق ظروف قد تؤدى فى النهاية إلى إضعاف حكم الشرع أو إسقاطه.
ويشير «هيراس» إلى أن الرئيس السورى يحتاج إلى إدارة «رقصة دبلوماسية دقيقة» تضمن استمرار الدعم الأمريكى من جهة، والحفاظ على المساندة التركية من جهة أخرى، خصوصا أن التقارب مع واشنطن يثير تحفظات داخل بعض الأوساط السلفية التى لعبت دورا رئيسيا فى وصوله إلى السلطة.
أما فريدريك هوف، السفير الأمريكى السابق والمستشار الخاص السابق للانتقال السياسى فى سوريا، فيرى أن الشرع سيواصل إعطاء الأولوية للحفاظ على علاقات جيدة مع كل من ترامب وأردوغان، باعتبار أن الأول يمتلك القدرة على كبح التحركات الإسرائيلية، بينما يمثل الثانى ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادى والسياسى وإعادة الإعمار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض