يقولون إن النوايا الطيبة تصنع المعجزات.
وربما يكون ذلك صحيحًا أحيانًا.
لكن النخلة التي سأحكي لكم عنها اليوم كان لها رأي آخر.
كان يا ما كان، في أرض بعيدة لا يعرف أحد اسمها، عاشت نخلة عظيمة.
لم تكن مجرد نخلة، بل كانت مملكة كاملة معلقة بين الأرض والسماء. جذعها قوي، وسعفها يمتد في كل اتجاه، وصُبّاطات البلح تتدلى منها حتى يظن الناظر أن الخير قد اختار هذه النخلة بيتًا له دون غيرها.
كانت الطيور تبني أعشاشها بين سعفها، والعابرون يستظلون بظلها، وكل من يراها يطمئن إلى أنها خُلقت لتبقى طويلًا.
لكن النخلة كانت تخفي في داخلها ما لا يراه أحد.
ففي جوفها كان يعيشان ثعبانان منذ زمن بعيد.
لا يخرجان كثيرًا إلى النور، ولا يتوقفان عن الصراع.
كان كل ثعبان يعتقد أن النخلة ملكه وحده، وأنه الأحق بالسيطرة عليها، بينما كانت النخلة نفسها تدفع ثمن هذا الصراع عامًا بعد عام.
وفي أحد المواسم، خرجت من بين الثمار بلحة كبيرة لامعة.
كانت قوية الحضور، عالية الصوت، تجيد الحديث أكثر مما تجيد الإنصات.
جمعت الثمار حولها وقالت:
"انتبهوا... هناك من يتربص بالنخلة، وهناك من يريد قطعها، وهناك من يحسدها على ما هي عليه. إن أردنا النجاة فعلينا أن نتوحد جميعًا."
أعجب الجميع بكلامها.
وصفقت لها الثمار.
واطمأن السعف.
وشعرت النخلة بشيء من الراحة.
ومع الأيام أصبحت البلحة صاحبة الكلمة الأعلى بين الجميع.
وفي صباح أحد الأيام، صعدت إلى أعلى النخلة، ونظرت حولها، ثم قالت:
"علينا أن نجعل النخلة أجمل."
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة طويلة من الترتيب والتجميل.
كانت تنظف السعف.
وتعيد ترتيب ما تراه فوضويًا.
وتزيل ما تراه زائدًا عن الحاجة.
وتنشغل كثيرًا بما يراه من ينظر إلى النخلة من بعيد.
وكانت كلما وجدت صُبّاطة مثقلة بالثمار قالت:
"هذا حمل زائد."
ثم تقطعها.
وكلما وجدت سعفًا متزاحمًا قالت:
"هذا يعيق الحركة."
ثم تزيله.
وكلما اعترضت بعض الثمار قائلة إن ما يحدث يؤلمها، كانت تبتسم وتقول:
"اصبروا... كل ما أفعله من أجلكم."
ثم تسقط صُبّاطة جديدة إلى الأرض، ولا يعود أحد يسمع عنها شيئًا.
ومرت الأيام.
ثم الشهور.
ثم السنوات.
وكان شكل النخلة من الخارج يزداد لمعانًا.
أما في الداخل، فكانت حكاية أخرى.
فعند الجذور، حيث لا ينظر أحد، بدأ السوس يعمل بصمت.
لا يخطب.
لا يتكلم.
لا يرفع شعارات.
فقط ينخر الخشب ليلًا ونهارًا.
وفي البداية لم يشعر به أحد.
لكن بعض الثمار بدأت تلاحظ أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
صرخت إحدى الثمار:
"هناك ضعف عند الجذور."
فردت البلحة بثقة:
"لا تنظروا إلى الأسفل كثيرًا."
وقال آخر:
"السوس ينتشر."
فقالت:
"المهم أن القمة بخير."
وقال ثالث:
"لكننا نفقد ثمارًا كل يوم."
فابتسمت البلحة وقالت:
"النوايا سليمة."
ومع مرور الوقت أصبحت تلك العبارة جوابًا لكل شيء.
كلما سقطت ثمرة...
قالت: "النوايا سليمة."
كلما اتسع الشرخ في الجذع...
قالت: "النوايا سليمة."
كلما ارتفعت أصوات التحذير من الجذور...
قالت: "النوايا سليمة."
حتى حفظتها الطيور.
ورددتها الرياح.
وأصبحت الإجابة الجاهزة عن كل سؤال.
وفي أثناء ذلك كان الثعبانان يواصلان صراعهما داخل الجذع.
والسوس يواصل عمله عند الجذور.
والثمار تتناقص عامًا بعد عام.
وتناقص السعف عامًا بعد عام، بعدما كان يملأ النخلة حياةً وظلًا.
لكن البلحة لم تكن ترى ذلك.
كانت تنظر إلى القمة فقط.
إلى السعف اللامع.
وإلى المشهد الجميل من بعيد.
وكان يكفيها أن تبدو النخلة جميلة في الصورة.
ثم جاء يوم هبت فيه ريح.
لم تكن الأعنف.
ولم تكن الأقوى.
كانت مجرد ريح عادية.
لكنها وجدت الجذور منهكة.
والجذع متعبًا.
والثمار قليلة.
فاهتزت النخلة.
ثم مالت قليلًا.
ثم أكثر.
ثم سُمع لأول مرة صوت الجذور وهي تستغيث.
وصوت السعف وهو يتكسر.
وصوت الثمار وهي تتساقط.
عندها فقط أدرك الجميع أن الخطر الحقيقي لم يكن يومًا في أعلى النخلة.
بل كان دائمًا عند جذورها.
وحين بدأت النخلة تتهاوى، التفتت الثمار القليلة الباقية نحو البلحة وسألتها:
"كيف حدث كل هذا؟"
فأجابت في دهشة:
"لا أعلم... لقد كانت نوايانا طيبة."
ساد الصمت.
ثم خرج صوت عجوز من أعماق الجذور وقال:
"يا أبنائي... النخلة لا تعيش بالنوايا وحدها.
النخلة تعيش حين تكون الجذور بخير.
وحين يكون ثمرها للجميع.
وحين يسمع من يقف فوقها أنين من يعيشون تحتها.
أما النوايا، فهي مثل نواة البلحة... قد تكون أصل الحياة، لكنها وحدها لا تصنع نخلة."
وعندما سقطت النخلة، لم يسأل أحد عن شكل السعف، ولا عن لمعان القمة، ولا عن الرايات التي كانت ترفرف فوقها.
كان السؤال الوحيد:
لماذا تُرك السوس يأكل الجذور كل هذه السنوات؟
وحين بحثوا عن الإجابة، لم يجدوا سوى البلحة التي قادت الجميع يومًا.
كانت وحدها هذه المرة.
لا ثمار حولها.
لا طيور تصفق لها.
لا سعف يطمئن إلى كلماتها.
كانت تردد في هدوء:
"النوايا كانت طيبة..."
لكن النخلة كانت قد سقطت.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
