لم تعد أرقام الموازنة العامة مجرد بيانات مالية صماء تُعرض على الورق، بل تحولت إلى مرآة تعكس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، بما فيها من ضغوط تتزايد، وأعباء تتراكم، وأحلام تُؤجل عامًا بعد عام.
في مشروع موازنة 2027/2026، تطرح الحكومة أرقامًا كبيرة: إيرادات تقترب من 4 تريليونات جنيه، ومصروفات تتجاوز 5 تريليونات. لكن خلف هذه الأرقام، تكمن حقيقة أكثر بساطة: المواطن يدفع أكثر… ويحصل على أقل.
الجزء الأكبر من الموازنة لا يذهب إلى تحسين حياة الناس، بل إلى سداد التزامات قديمة. نحو 2.4 تريليون جنيه تُخصص لفوائد الديون، وهو رقم يقترب من نصف الإنفاق العام. ومع كل جنيه يُدفع هنا، تضيق المساحة المتبقية للتعليم والصحة والخدمات.
وهنا تظهر المفارقة الأوضح. فالدستور المصري ألزم الدولة بالإنفاق على التعليم بنسبة 6% من الناتج القومي، وعلى الصحة بنسبة 3%. لكن ما يحدث فعليًا بعيد عن ذلك؛ إذ لا يتجاوز الإنفاق على التعليم نحو 1.7%، وعلى الصحة نحو 1.5%.
وهنا لا نتحدث عن أرقام فقط، بل عن تحول كامل في شكل الحياة. التعليم الذي كان يفترض أن يكون حقًا عامًا، أصبح في جانب كبير منه تعليمًا مدفوعًا. المدارس الخاصة والجامعات الخاصة لم تعد خيارًا إضافيًا، بل أصبحت ملاذًا إجباريًا لكثير من الأسر، بعد أن ضاقت الطاقة الاستيعابية للمدارس الحكومية، وازدادت صعوبة الالتحاق بالكليات. وهكذا تحوّل التعليم تدريجيًا إلى “سوق”، بينما يُترك المواطن أمام خيار واحد تقريبًا: الدفع أو ضياع الفرصة.
الأمر نفسه يتكرر في الصحة. المستشفيات الخاصة أصبحت هي الملجأ الأساسي لمن يستطيع، بأسعار لا يقدر عليها الكثيرون، بينما يجد المواطن نفسه مضطرًا للعلاج على نفقته، حتى لو اضطر لبيع ممتلكاته أو الاستدانة. ليس لأنه يختار ذلك، بل لأنه لا يجد بديلًا حقيقيًا تقدمه المنظومة العامة.
في الحالتين، المواطن لا يملك رفاهية الاختيار. هو مضطر، مغلوب على أمره، يدفع من دخله المحدود، وأحيانًا من بيعه لما يملك، فقط ليضمن حقًا أساسيًا: التعليم أو العلاج. والسبب ليس فقط ارتفاع التكلفة، بل غياب البديل الحكومي القادر على القيام بدوره الكامل.
وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة الحماية الاجتماعية على القيام بدورها. زيادة محدودة في مخصصات الضمان الاجتماعي، لا تتجاوز 2%، في مواجهة تضخم يدور حول 13%، تعني أن الدعم يفقد قيمته الحقيقية، وأن الفئات الأكثر احتياجًا تتحمل عبئًا مضاعفًا.
أما دعم الوقود، فقد انخفض بشكل حاد، من نحو 75 مليار جنيه إلى ما يقرب من 16 مليارًا فقط، في طريق واضح نحو رفعه بالكامل. وهو قرار لا يتوقف أثره عند الطاقة، بل يمتد إلى كل ما يرتبط بها: نقل، سلع، خدمات… أي إلى حياة المواطن اليومية.
وفي خلفية المشهد، تعتمد الدولة بشكل متزايد على الضرائب، التي تمثل نحو 88% من الإيرادات، ما يضع العبء الأكبر على المواطن، في وقت ينتظر فيه تحسنًا حقيقيًا في مستوى الخدمات.
قد يقول قائل إن الدولة تواجه تحديات اقتصادية صعبة، وهو قول صحيح. لكن الصحيح أيضًا أن المواطن هو من يتحمل النصيب الأكبر من هذه التحديات، دون أن يرى بالقدر الكافي تحسنًا يوازي ما يدفعه.
القضية لم تعد في صعوبة المرحلة، بل في عدالة توزيع أعبائها. لم تعد في نقص الموارد فقط، بل في ترتيب الأولويات. فحين تتراجع مخصصات الخدمات الأساسية، وتتآكل الحماية الاجتماعية، يصبح السؤال مشروعًا: لمن تُكتب هذه الموازنة؟
المواطن المصري لم يكن يومًا عبئًا على هذا البلد، بل كان دائمًا عموده الفقري. تحمل، وصبر، وواصل الحياة رغم كل الضغوط. لكنه اليوم يحتاج إلى ما هو أكثر من الصبر؛ يحتاج إلى إحساس بالعدالة، وإلى يقين بأن ما يتحمله اليوم لن يضيع سدى.
في النهاية، لا يطلب المواطن أكثر من حياة عادية تُحتمل، لا رفاهية زائدة ولا وعود كبيرة، بل قدر من العدالة يراه في واقعه، وخدمات تليق بما يدفعه، وفرصة حقيقية يشعر معها أن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.
فإن كانت الأرقام تفرض واقعًا صعبًا، فإن حسن إدارتها هو ما يصنع الفارق… بين بلدٍ يزداد فيه العبء، وبلدٍ يشعر فيه الناس أن تعبهم لم يذهب هباءً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
