رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين كتب أحمد خالد توفيق رواية يوتوبيا عام 2008، كان يستشرف مستقبلًا خائفًا على الإنسان، ويحذر من مجتمع تتسع فيه الفجوة بين الناس، حتى يشعر المواطن البسيط أن الحياة تبتعد عنه تدريجيًا.

في الرواية، اختفت الطبقة الوسطى تقريبًا، وانقسم المجتمع إلى عالمين: عالم خلف الأسوار يملك كل شيء، وعالم آخر لا يملك سوى الجوع واليأس.

ورغم أن الرواية كانت خيالًا أدبيًا، فإن بعض ملامحها تبدو اليوم أقرب إلى الواقع مما كان متوقعًا.

كانت أسوار “يوتوبيا” في الرواية خرسانية و اسلاك شائكة  وواضحة، يمكن رؤيتها بالعين، أما أسوار “يوتوبيا” في الواقع، فقد أصبحت مختلفة؛ ليست جدرانًا ملموسة بقدر ما هي حدود غير مرئية و اسلاك شائكة تصنعها الأسعار ونمط الحياة، وتفصل بين من يستطيع الوصول ومن يكتفي بالمشاهدة من بعيد.

قد يدخل الإنسان مدينة حديثة مبهرة، فيشعر بالفخر للحظة، ثم يكتشف تدريجيًا أن تفاصيل الحياة داخلها لا تشبه قدرته ولا دخله.

أسعار لا تناسب أغلب الناس، وأحياء تبدو أقرب إلى عالم آخر، حتى الأشياء البسيطة قد تمنح البعض إحساسًا بأنهم يمرون بالمكان كزائرين… لا كجزء منه.

وهنا لا يصبح البعد جغرافيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا.

فالفكرة ليست في وجود مدن جديدة أو مشروعات ضخمة، بل في ذلك الشعور الخفي الذي قد يتسلل إلى المواطن حين يرى حياة حديثة تتحرك أمامه بسرعة، بينما يشعر أنه لا يملك مكانًا حقيقيًا داخلها.

وربما لهذا يتسلل إلى البعض شعور قاسٍ، بأن هناك مدنًا حديثة تُبنى لأناس آخرين، لا يشبهون أغلبية هذا الشعب الذي تحمّل سنوات طويلة كلفة البناء والإصلاح وضغوط الحياة، على أمل أن يجد لنفسه مكانًا داخل الحلم… لا خارجه.

حتى بعض وسائل النقل الحديثة، التي صُممت لتقريب المسافات، قد تكشف أحيانًا عن فجوة أخرى؛ حين تصبح تكلفة الوصول إلى العمل نفسها عبئًا يلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الموظف، فيتحول التطوير بالنسبة للبعض من وسيلة للراحة إلى معادلة يومية مرهقة، وكأن بعض هذه الوسائل أنشئت في الأساس لأهالي “يوتوبيا” لا لمن يسكنون خارجها.

وربما لهذا بدت “يوتوبيا” مخيفة؛ لأنها لم تتحدث فقط عن الفقر، بل عن ذلك الشعور القاسي حين يبدأ الإنسان في الإحساس أن الحياة الحديثة تتحرك بسرعة… بينما يقف هو خارج الأسوار، يراها أكثر مما يعيشها.

وفي الشارع المصري، لم يعد السؤال فقط عن ارتفاع الأسعار، بل عن قدرة المواطن على الاستمرار نفسيًا قبل أن يكون ماديًا. الموظف الذي كان يعيش حياة بسيطة مستقرة، أصبح يطارد الفواتير. والشاب الذي كان يحلم بشقة وزواج ومستقبل، بات أحيانًا يحلم فقط بفرصة تمنحه شعورًا بالأمان.

الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يزداد الفقر فقط، بل عندما يشعر الإنسان أن المسافة بينه وبين الحياة الطبيعية أصبحت بعيدة للغاية.

في “يوتوبيا”، كان الأغنياء يعيشون خلف الأسوار، ليس خوفًا من الفقراء فقط، بل خوفًا من واقع صنعته الفجوة الاجتماعية نفسها.

وربما ما يجعل الرواية مخيفة حتى الآن، أنها لم تتحدث عن ثورة جياع بقدر ما تحدثت عن تآكل بطيء للروح الإنسانية.

ومع ذلك، تبقى مصر مختلفة عن “يوتوبيا”. فهذا الوطن ما زال يملك شعبًا حيًا قادرًا على التحمّل، ودولة تحاول مواجهة تحديات هائلة، ومجتمعًا لم يفقد بالكامل قيم التماسك والتكافل.

لأن الأوطان لا تُقاس فقط بحجم المشروعات أو الأرقام، بل بقدرة المواطن العادي على أن يعيش بكرامة… دون أن يشعر أنه غريب داخل بلده.

وربما لهذا ستظل “يوتوبيا” رواية مهمة، ليس لأنها تنبأت بالمستقبل، بل لأنها خافت على الإنسان… قبل أن يخاف الجميع على الاقتصاد.