رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

يندهش المرء من شخصيات نادرة فى التاريخ، وقفت مع استقلال مصر، رغم انتمائها إلى بريطانيا التى استعمرت وطننا أكثر من سبعين عاماً.

من هؤلاء ويلفريت بلنت (1840-1922) السياسى والدبلوماسى والشاعر البريطانى الذى طاف بالشرق، وعشق مصر، وناضل من أجل تحريرها.

وقد عرفنا من قبل كتاب بلنت الشهير والمعنون «التاريخ السرى للاحتلال الإنجليزى لمصر» الذى نشره عبدالقادر حمزة للمرة الأولى سنة 1928 فى جريدة البلاغ، ثم ترجم ترجمة كاملة متميزة بالمركز القومى للترجمة قام بها صبرى حسن عام 2010.

غير أن جوانب أخرى من نضاله ومحبته للمصريين تتضح أكثر فى يومياته الشخصية من 1888 إلى 1914، والتى انتبه لها وترجمها مؤخرا المترجم المخضرم أسامة الغزولى، وتضمنت إطلالاً رائعاً على مشاعره تجاه مصر، ونضاله من أجل تحررها.

يبدو بلنت متيماً بالإقامة فى ريف مصر، خلال فصل الشتاء، الذى يقضيه فى قرية الشيخ عبيد، على تخوم القاهرة. وفى يومياته نقرأ عن محاوراته مع البسطاء من الفلاحين، وحرصه الشديد على إسعادهم وسعيه لتعليمهم، وتذكيرهم بحقوقهم.

وهو ممن يصادقون الشيخ محمد عبده، ويجلونه ويرونه دليلاً على قدرة المصريين على التفكير بعقلانية والإصلاح، لذا يسعد عندما يعرف عام 1889 بالعفو عنه وتعيينه قاضياً فى بنها.

ونجد فى اليوميات لقاءات موسعة يعقدها بلنت مع ساسة ومفكرين ومسئولين إنجليز بعد عشر سنوات من الاحتلال تستهدف إجلاء القوات البريطانية عن مصر، وتؤكد أن الاحتلال عار على الأمة الإنجليزية.

ويشير إلى أن الوحيد الذى كان يقاتل من أجل استمرار الاحتلال هو السير بارينج «كرومر» الذى كانت حجته أن المصريين غير مؤهلين للإدارة والحكم، وأنه استعان بصحفى إنجليزى اسمه ملنر وعينه براتب خيالى فى وزارة المالية، حتى يدبر له حملة دعائية فى بريطانيا تدافع عن الاحتلال.

وتفاجئنا اليوميات بأن بلنت اقترح على سلطات الاحتلال تشكيل حكومة إصلاحية من المصريين بدلاً من الشراكسة تضم كلاً من الشيخ محمد عبده، يوسف الشوكى، أحمد حشمت، إبراهيم الوكيل وسعد زغلول الذى كان وقتها فى الثلاثين من عمره.

واللافت هنا أن سعد زغلول كان ظاهراً بشكل مبكر كشخصية عقلانية اصلاحية قوية حتى أنه لفت نظر بلنت.

ونقرأ فى اليوميات عن موقف بلنت الحاد من محلات الخمور التى انتشرت وذاعت فى مصر عقب دخول الاحتلال، ورفعه لمذكرات عديدة، وقع عليها الأعيان والوجهاء إلى سلطات الاحتلال لإيقاف ما اعتبره جرحاً لمشاعر المصريين الدينية والمجتمعية.

وهو لا يترك فرصة إلا ويخاطب السلطات لاصدار عفو عن أحمد عرابى وصحبته وإعادتهم إلى مصر. ومع وقوع حادث دنشواى 1905، وصدور أحكام بشنق وجلد الفلاحين المصريين، انبرى بلنت مندداً فاضحاً للبطش الإنجليزى المشين، واعتبره عاراً على الإنسانية.

وكتب الرجل قصيدة عظيمة يندد فيها بأمجاد الإمبراطورية البريطانية المقامة على جثث البشر، تقول بعض أبياتها «كل من يعيش بالسيف، بالسيف يموت/ الإمبراطورية التى شيدتها ستتمزق، وسيتبين الجميع عجزك/ ستقوم على أبوابك مملكة جديدة/ تبشر بالحرية واصلاح كل فساد/ وسوف ينتصر الحق فى عالم العدالة الآتى».

لقد رحل بلنت عن عالمنا عام 1922، وتم الإعلان عن استقلال مصر اسمياً فى العام ذاته، ثم خرج الإنجليز من القاهرة بموجب معاهدة 1936، ثم رحلوا نهائياً عن البلاد بعد اتفاقية الجلاء عام 1954، لكن علينا أن نتذكر بامتنان وتقدير من وقفوا مع الحق والحرية، حتى لو انتموا إلى دولة الاحتلال؛ فيكفيهم حسنًا شرف الدفاع عن الحق.

والله أعلم

 

[email protected]