رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


وعد مصري قديم بميعاد لتلبية الرغبات والطلبات والأحلام، ليس وعدًا قاطعًا، لكنه صادق بكل ما فيه من أمنية وأمل.
جملة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر الجمل صدقًا في الوجدان المصري.
فالمصري لا يحدد الزمن دائمًا بالتقويم، بل بالمواسم والمناسبات المؤثرة، التي تحدث تحولًا ولو طفيفًا في حياته، فيرهن قدوم الأشياء بتوقيت يحبه وينتظره، مثل رمضان، أو المولد، أو نتيجة الثانوية، أو قبض المرتب، وعودة الغائب. كأن الزمن الحقيقي ليس ما يمر على الساعة، بل ما يمر على القلب.
“بعد العيد” ليست مجرد مدة زمنية، بل ميقات نفسي كامل، مشبع بيقين لارتباطه بشعائر مباركة، وتعويذة صغيرة يعلّق عليها الإنسان تعبه، كأنه يقول لنفسه:
اصبر قليلًا، فالفرج له باب، وربما يفتحه العيد.
العجيب أن المصريين استخدموا العيد طويلًا باعتباره نقطة إعادة تشغيل للحياة.
الزواج بعد العيد.
شراء الشبكة بعد العيد.
سداد الدين بعد العيد.
فتح مشروع بعد العيد.
حتى المصالحات العائلية كانت تنتظر موسمًا “مباركًا” يسمح للقلوب أن تهدأ.
ولأن العيد ارتبط تاريخيًا بالرزق، أصبحت العبارة تحمل في داخلها دعاءً بالانفراج مستترًا، فهو دومًا على يقين بأن الله لن يحرمه من بركات العيد.
فالعيد لديهم موسم القبض، والعيديات، وشراء الملابس، وامتلاء البيوت باللحم والكعك والزيارات. توقيت يشعر فيه المحتاج بسد حاجته، والفقير أنه يشبه الآخرين ولو لأيام قليلة، ويشعر فيه المُرهق أن الحياة ما زالت قادرة على منحه مكافأة صغيرة على أمله واحتماله الطويل.
لذلك لم تكن عبارة “بعد العيد” فارغة تمامًا، بل كانت تستند إلى ذاكرة جماعية تعرف أن المواسم قد تحمل انفراجة حقيقية.
في الريف المصري مثلًا، كانت الأعياد مرتبطة بمواسم الحصاد والبيع والستر. وفي المدن، كانت مرتبطة بالمكافآت، وعودة المسافرين، وانتعاش الأسواق. حتى الأطفال كانوا يرون في العيد أن الله يرسل المال لأبيهم من أجلهم: ملابس جديدة، وحلوى، ورائحة بسكويت، وأب وأم عادت لهما الابتسامة والفرحة، حتى ولو لأيام قليلة.
لكن شيئًا ما تغيّر.
صار العيد نفسه يحتاج إلى من ينقذه من الإرهاق.
تحوّل من مساحة فرح جماعي إلى موسم حسابات مرعبة: أسعار ملابس، وقوائم طلبات، ومصاريف زيارات، وضغط اجتماعي يُرهق الأسر أكثر مما يُبهجها.
ومع ذلك ما زالت الجملة حيّة:
“بعد العيد إن شاء الله”.
كأن المصري، رغم كل شيء، يرفض أن يغلق باب الاحتمال الأخير. حتى الذي يعرف في داخله أن الأمور قد لا تتغير، يترك نافذة صغيرة مفتوحة للقدر، احترامًا لفكرة البركة نفسها، واليقين بالله.
فالمصري لا يعيش معتمدًا على الحلول وحدها، بل بداخله جزء روحاني يربطه بمعجزات إلهية.
ولهذا تبدو الجملة أحيانًا كنوع من العلاج النفسي الشعبي، والطبطبة اللامرئية من رحمة الله. هي عبارة عن تأجيل منظم للقلق، وإعادة توزيع للأمل على أيام إضافية.
بدلًا من أن ينهار الآن، يمنح نفسه فرصة أخرى:
“بعد العيد”.
هي دستور شعبي لإعانة الإنسان على الصبر، وتأجيل أحلامه كي ينجو، وتأجيل فرحه كي يستطيع الاستمرار.
لكن رغم تبدل الزمن، وبقاء الأزمات، وتغيّر شكل الأعياد، ما زال هناك شيء لم يمت تمامًا:
ذلك الطفل القديم المختبئ داخل المصري، الذي يصدق، ولو سرًا، أن صباح العيد قد يأتي ومعه رزق، أو رسالة، أو مصالحة، أو يد تربت على القلب وتقول له:
كل سنة وأنت طيب.
واستنوني في مقالي الجديد:
“بعد العيد إن شاء الله”