فضل يوم عرفة بالدلائل من القرآن والسُنة
يعد يوم عرفة ميلاد جديد لروح المؤمن؛ فبين تكفير سنة مضت وأخرى باقية، وعتقٍ محقق من النيران، يخرج المسلم بصحيفة بيضاء وقلبٍ ملأه التوحيد، اغتنم هذا الميثاق الرباني، واجعل من "خير الدعاء" جسرًا تعبر به نحو رحمة الله التي وسعت كل شيء، لتتحول العبادة من عادة إلى حياة.
يوم عرفة
ويوم عرفة ليس مجرد يوم للعبادة، بل هو يوم تاريخي شهد نزول أعظم آيات القرآن إعلانًا بتمام الرسالة، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» [البخاري (٤٣٨٨)، مسلم (٣٠١٧) واللفظ له].
وفي هذا الحديث من الفقه التنبيه على ما أنعم الله سبحانه في هذه الآية على أمة محمد - ﷺ - من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾، وفيه أيضًا أن قول الله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ﴾ دليل على أن الدين أكمله الله في زمان محمد - ﷺ -، فهو غير محتاج إلى أن يتم أو يحدث فيه شيء لم يكن، أو يذكر فيه شيء لم يعرف؛ ﴿وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی﴾، وهذا يستدل منه أن إتمام النعمة إنما تستتب بدخول الجنة إن شاء الله؛ لأنه لم يقل: اليوم أنعمت عليكم، فكان يكون توقع لتمام فيما بعد؛ ولكن إنما قال: (أتممت)، فدل بهذا القول على أنه قد كانت نعمة موجودة فأتمها التمام الذي لا يحتمل أن يزاد فوقه شيء آخر، وهذا لا يتم إلا بدخول الجنة، فإنها لبشرى عظيمة [ابن هبيرة، الإفصاح عن معني الايضاح (١ /١٤٦-١٤٧)].
مباهاة الله بأهل الموقف (للحجاج)
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إلى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» [أحمد (٧٠٨٩)].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ - فَيَقُولُ لَهُمْ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ» [السنن الكبرى للبيهقي(٩١٠٩)]، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا مُرَاهِقًا وَفُلَانًا»، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [فضائل الأوقات للبيهقي (١٨١)]،هذا المشهد يجسد ذروة الخضوع البشري أمام العظمة الإلهية، حيث تتلاشى الفوارق بين الناس ولا يبقى إلا الإخلاص.
يقول الإمام المناوي في فيض القدير: "(إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ) أي: الواقفين بها ثم بين تلك المباهاة بقوله: (يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي) أي: تأملوا حالهم وهيأتهم (أَتَوْنِي) أي جاؤوا إلى بيتي إعظامًا لي وتقربًا لما يقربهم مني (شُعْثًا) أي: متغيري الأبدان والشعور والملابس؛ لقلة تعهدهم بِالادِّهانِ والإصلاح، والشعث: الوسخ في بدن أو شعر (غُبْرًا) أي: من غير استحداد ولا تنظف قد ركبهم غبار الطريق قال في المطامح: وذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهر من كل ذنب؛ إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر فينتج أن الحج يكفر حق الحق وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات ولا حجر على الله في فضله ولا حق بالحقيقة لغيره وفيه أفضلية عرفة" [المناوي، فيض القدير (٢ /٢٧٩)].
تكفير الذنوب (للحاج ولغير الحجاج)
يغسل الله سبحانه وتعالى ذنوب عامين بصيام يوم واحد، ويمحو خطايا العمر بوقفة إخلاص، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، ... فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ..» [صحيح ابن حبان التقاسيم والأنواع (٤٠٩٨)].
وأما غير الحاج: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» [مسلم (١١٦٢)]، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالَّتِي بَعْدَهُ» [الترمذي (٧٤٩)، ابن ماجه (١٧٣٠)].
وقوله في صيام يوم عرفة: (يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)؛ يعني السنة التي هو فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة [أبو العباس القرطبي (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣ /١٨٨-١٨٩)].
وهي فرصة ذهبية لعوام المسلمين لمشاركة الحجاج روحانية اليوم، وتطهير سجلاتهم من الخطايا في يوم واحد يعادل فضله عمل عامين كاملين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض






