تطهير للنفس.. الحج رحلة إيمانية تعيد المسلم كيوم مولده
يعد الحج شعيرة مهمة من شعائر الشريعة الإسلامية، كما أنه فريضة من الفرائض التى فرضها الله سبحانه وتعالى على كل مسلم بالغ عاقل قادر يستطيع أداءها؛ قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97).
ومن المقرر شرعًا أن حج بيت الله الحرام نفحة ربانية فارقة فى حياة المسلم؛ فالإنسان إذا أتمَّ حجه ولم يرفث أو يفسق، رجع من ذنوبه إلى بلاده كيوم ولدته أمه، ورد عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: سمعت النبى صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» متفق عليه. وفى رواية: «خَرَجَ مِنَ الذُّنُوبِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أخرجه إسحاق بن راهويه فى «مسنده».
يتميز الحج بمعانى سامية وحكم شريفة عالية
قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الحج يتميز بمجموعة من المعانى السامية والحكم الشريفة العالية، التى تدعونا للتأمل فى أركانه وأفعاله، والنظر فى نتائجه وآثاره.
وأوضح «جمعة»، أن فى مناسك الحج تطهير للأبدان وتزكية للنفوس، مشيرًا إلى أن أفعال الحج كلها تحتوى على تربية عملية على الطاعة التامة لله رب العالمين، والإخلاص فى العبودية له، والامتثال لأمره، فضلًا عن شمولها لكثيرٍ من المعانى التى تسهم فى بناء مجتمع إسلامى متكامل، ووحدة عضوية وروحية مترابطة.
وأضاف المفتى الأسبق أن الحج فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ مستطيع؛ إذ دل على فرضية الحج القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع المسلمين، فأما القرآن الكريم فيقول تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} (آل عمران :97).
ومن السنة النبوية أحاديث كثيرة؛ منها ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا, فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم (رواه مسلم).
وأكد أن الأمة الإسلامية أجمعت على فرضية الحج وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة، وأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، وأنه منكره يكفر.
مذهب الجمهور فى السنة التى فُرض فيها الحج
قال الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية السابق، إن الله سبحانه وتعالى فرض الحج على المستطيع من عباده، أى أن الحج واجب شرعًا على مَن يستطيع أداءه من الناس.
وأوضح «علام»، أن السَّنَةِ الهجرية التى فُرضت فيها فريضة الحج الجليلة محلُّ خلافٍ بين علماء المسلمين؛ فقد قيل: فى سنة خمس، وقيل: فى سنة ست، وقيل: فى سنة تسع، وقيل: فى سنة عشر.
وأضاف المفتى السابق، أن الجمهور من الحنفية، والمالكية ذهبوا إلى أن الحج فُرض فى السَّنَة التاسعة من الهجرة، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وجزم به غيرُ واحدٍ مَن محققى المذهب.
بينما ذهب الشافعية إلى أن الحج فُرض فى السنة السادسة من الهجرة، كما ذكروا أيضًا أنه يُقال: إنه فُرض سنة خمس هجرية.
وأكد أن هناك شروطًا ينبغى توافرها عند عقد النية للسفر وأداء مناسك الحج، منها أن يكون الإنسان مستطيعًا وقادرًا عليها، وتكون محصورة فى كونه مالكًا لنفقات الحج؛ ذهابًا، وإقامةً، وإيابًا، وأن تكون النفقات فائضةً عن حاجاته الأصلية التى لا بد منها فى حياته.
ومنها أيضًا أن يكون صحيح البدن قادرًا على أداء المناسك، وأن تكون ذمته خاليةً من الأمور الواجبة عليه؛ كنحو زكاة أو كفارة أو نذر، أو أيِّ نفقة من النفقات الواجبة شرعًا، وأن يُسمح له بأداء الفريضة من قِبل الجهات المختصة وبالشروط التنظيمية الْـمُتَّبعة.
فضل الحج وتأثيره على الحاج
قال الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتى الجمهورية، إن الناس ينظرون إلى من أتم الله سبحانه وتعالى عليه النعمة بأداء فريضة الحج الجليلة نظرة إكبار وتبجيل وتوقير؛ لقرب عهده ببيت الله الحرام، ولِمَا لفريضة الحج فى نفوسهم من مكانة عظيمة؛ ولذلك ينبغى على الحاج أن يكون على قدر هذه المنزلة، وأن تتغير أخلاقه وتتحسن سلوكياته.
وأضاف «عياد» أنه رُوى أنَّ مِنْ علامة الحج المبرور أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ بَعْدَ حَجِّهِ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَهُ؛ لذلك ينبغى على الحاج التعلق بالله سبحانه وتعالى، وطلب الدار الآخرة، بملازمة العمل الصالح، قيل للحسن البصري: ما الحج المبرور؟ قال: «أن ترجع زاهدًا فى الدنيا، راغبًا فى الآخرة»، وقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» رواه الترمذى، وأحمد، والبخارى فى «التاريخ الكبير».
آداب الرجوع من الحج
وأشار إلى أن هناك مجموعةٌ من الآداب التى ينبغى أن يراعيها مَنْ حج البيت المعظم، وهى مأخوذة من هدى النبى- صلى الله عليه وآله وسلم-، وبمراعاتها يَعْظُم أجره، وتحصل له بعد الحج بركته، ومن هذه الآداب أن يتعجل فى الرجوع إلى بلده وأهله: فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلِ الرِّحْلَةَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ» رواه الدارقطنى، والبيهقى، والحاكم.
ومنها أيضًا أن يقرأ دعاء السفر أثناء ركوبه، ولفظه: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِى سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ، وَالْخَليفَةُ فِى الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِى الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وإذا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» رواه الإمام مسلم.
كما يجب أن يدعو بالدعاء الوارد فى خصوص ذلك فى السنة المطهرة: فعن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قَفَلَ من غزو أو حج أو عمرة، يُكَبِّرُ على كل شَرَفٍ من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» متفق عليه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض