حكم عمل مقاطع فيديو للروتين اليومي ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي
من المقرر أن تصوير الروتين اليومي في الأعمال المنزلية ونحوها عبر مقاطع وسائط (فيديو) وعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي لتعليم الآخرين وإفادتهم لا مانع منه شرعًا، بشرط ألا يتضمن المحتوى أمرًا يُصادم حكمًا مُقررًا في الدين لا يتفق معه، وألا يُخِلَّ بآداب الحوار، أو احترام المخاطَب أو المُشاهِد، أو الضوابط الشرعية العامة للكلام المشروع، وما قرره القانون للمحافظة على الذوق العام.
الأخلاق الحسنة والقيم الفاضلة
حثَّ الشرع الشريف الأمة على تسخير كل ما أمكن من الوسائل الحديثة لغرس الأخلاق الحسنة والقيم الفاضلة ونشر الوعي والمعرفة، والتعاون على الخير والمعروف، كما دلَّ عليه عموم قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وفي الآن ذاته نهى عن الفحش من القول والفعل، ظاهرًا كان أو باطنًا، لما في ذلك من أثر عظيم في استقرار أحوال الناس واستقامة شؤون البلاد والعباد، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
حكم عمل مقاطع فيديو للروتين اليومي ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي
قيام البعض بتصوير سلوكياته وأفعاله المتكررة في الحياة اليومية كالأعمال المنزلية مثلًا عبر تقنية الصور المتحركة (الفيديو) كمحتوى رقمي للروتين اليومي ثم عرضه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي -هو من قبيل الوسائل التي تتبع القصد من ذلك؛ إذ التصوير لا يُقْصد لذاته، وإنما يُقصد للتوصُّل به إلى ما يهدف منه المكلَّف المُباشِر له، وحكم الوسيلة "حكمُ ما أفضتْ إليه من تحريمٍ وتحليلٍ" كما قال الإمام القرافي المالكي في "الفروق" (2/ 33، ط. عالم الكتب).
وهناك جملة الضوابط والآداب الشرعية الضابطة لهذا المجال سواء في الصناعة أو المشاهدة، حتى يكون هذا الأمر مباحًا وإلا كان حرامًا، وحتى لا يُساء استغلالها، ولا تخرج عن الغرض المرجو منها، ومن تلك الضوابط والآداب:
أولًا: ألا يكون المعروض في مقاطع الفيديو يُصادم حكمًا مقررًا في الشرع الشريف، كالصور المحرمة التي لا يُراعى فيها ستر العورة أمام غير المحارم بالحدود الواجبة شرعًا.
ثانيًا: أن يكون ذلك في اعتدالٍ لا يؤدي إلى تقصير في واجبٍ، كحقوق الله على المكلَّف من عبادات وصلوات ونحوها، أو تضييعِ حقوق العباد عليه، وفي مقدمتهم الأهل ممَّن يعولهم ويقوم على رعايتهم، فإنهم في ذمته، والمباح متى ألهى عن الواجب يصير حرامًا، وتصوير الروتين اليومي كالأعمال المنزلية بقصد نقل الخبرات في بناء الشخصية وتنظيم شؤون الحياة هو في أصله مشروع؛ لما فيها من تمكين المرء من القيام بشؤون نفسه وخدمة مَن تلزمه خدمته، أما إذا اتُّخذ ذريعةً للتقصير أو تضييعِ الحقوق فينتقل الحكم إلى الحرمة.
ثالثًا: مراعاة الضوابط الشرعية العامة للكلام المشروع، التي تقتضي خلو الكلام من آفات اللسان، كالكذب، والسب، والسخرية، والفحش، والرفث، والبذاءة، والخوض في الباطل، وهتك العورات، والجدل الذي يوغر الصدور ويجلب العداوات، وإضاعة الوقت في فضول الكلام وما لا يعني المتخاطبين، ونحو ذلك مما استفاض العلماء في شرحه في باب آفات اللسان، وهي تزيد عن عشرين آفة، كما في "الصمت وآداب اللسان" لابن أبي الدنيا، و"إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي (3/ 107- 163، ط. دار المعرفة).
رابعًا: عدم إظهار خصوصيات الأماكن وأسرارها، خاصة البيوت لما لها من حرمة، ولأن إفشاء هذه الخصوصيات قد يعرّض سكانها لأمور لا تُحْمَد عقباها، ذلك لأن صيانة حرمة البيت تجعله "سكنًا" آمنًا كما أمر الشرع الشريف وحدد وظيفته في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80].
خامسًا: ألا يكون في التصوير إسراف أو ترف أو دعوة للتكلف، فتصوير كل تفاصيل المأكل والمشرب والملبس قد يُشعل المقارنات الاجتماعية، ويشيع الأحقاد والحسد، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» أخرجه الإمام البخاري مُعَلقًا، ووصله الإمام أحمد والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما.
سادسًا: يُشترط في حق المرأة أن يكون التصوير والنشر بإذن زوجها أو وليِّها، صيانةً لها، وحفاظًا على مكانتها، وتحقيقًا لما أمر به الشرع من طاعة الزوج أو الولي في غير معصية، خاصة أن مقاطع الفيديو قد تشتمل على أماكن من خصوصية البيت، مما قد لا يرغب الزوج أو الولي في إظهارها على العامة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







