رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خطبة الجمعة

إتقان العمل واجب دينى وحضارى

بوابة الوفد الإلكترونية

الحمد لله الذى أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأبدع الموجودات على غير مثال سبق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير من قام بما أمر به من ربه، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبذل فى سبيل ذلك كل جهد، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوب بعد ضلال.

أولت الشريعة الإسلامية قضية العمل عناية كبرى، وكيف لا، وفى إتقانه تبنى الحضارات، وترتقى الأمم، وتصان الكرامات، بل كيف يجتمع إيمان صادق مع إنسان لا يحسن العمل، ولا يجيد ما وكل إليه، فبقدر ما يكون الإيمان راسخًا فى قلب المؤمن، بقدر ما يتجلى أثره فى إتقان صنعته، وحسن أدائه، والقيام بأعباء وظيفته على أكمل وجه؛ إذ الإيمان الحق منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به وإليك بيان ذلك:

الإيمان يعلم الإتقان سواء فى العبادة أو فى غيرها:

جاء الإسلام بمنهج قويم يؤكد من خلاله أن الإتقان غاية سامية يقصدها الشرع الشريف من وراء الأوامر والنواهي؛ لينطلق المؤمن، وقد تشرب هذا المعنى، إلى القيام بما أناطه الله به من أعمال، تعود على الإنسانية بالنفع والخير، وتشيد صروح العمران على أساس من الإخلاص والإحسان، ففى القرآن الكريم يقول الله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملًا} (الملك: ٢)، ولم يقل أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم، ويغرس فينا النبى صلى الله عليه وسلم خلقًا جليلًا، هو المصاحب للمؤمن فى سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فيقول مجيبًا عن سؤال جبريل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (رواه مسلم)، فاستشعار المؤمن بأن الله يراه، واستحضاره لهذا المعنى كفيل بأن يعينه على إحسان العبادة وإتقان العمل.

الإتقان أساس انتظام الكون:

الإتقان منهج حياة وسنة كون؛ به تنتظم الأمور، وتستقيم الأحوال، وتبلغ الأعمال غاياتها فى الكمال، فهو الميزان الذى توزن به قيمة الإنسان، والمعيار الذى تقاس به حضارة الأمم؛ إذ لا قيام لعمران، ولا ازدهار لحضارة، إلا إذا قامت على أكتاف أناس يحسنون ما يعملون، ويؤدون ما أسند إليهم بإخلاص وإحكام.

ومن يتأمل هذا الوجود يدرك أن الإتقان هو سر انتظامه وجماله؛ نظام دقيق، وتناسق بديع، يشهد بأن الإتقان هو الأصل الذى تقوم عليه الحياة، ومن هنا كان لزامًا على الإنسان أن يجعل الإتقان سبيله فى كل شأن، فى عبادته، وعمله، ومعاملاته؛ ليكون عنصر بناء لا معول هدم، ونبع خير لا مصدر ضر.

قال تعالى: {والله يحب المحسنين} (آل عمران: ١٣٤) «... والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعًا، ويجازيهم على إحسانهم أحسن الجزاء، والإحسان يشمل: إتقان العمل، والإتيان به على الوجه الأكمل» (التفسير الوسيط–مجمع البحوث).

الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية:

أكد صلى الله عليه وسلم على أن الإتقان فى العمل أمر يحبه الله تعالى فقال: «‌إن ‌الله عز وجل ‌يحب ‌إذا ‌عمل ‌أحدكم ‌عملًا أن يتقنه» (المعجم الأوسط للطبرانى وشعب الإيمان للبيهقي).

إن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدة شاملة فى حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادة دون أخرى، ولا على عمل دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك.

إتقان العمل أمانة:

عملك أمانة ستسأل عنها يوم القيامة {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} (المؤمنون: ٨)، وإهمال العامل فى عمله يعد خيانة للأمانة؛ لأنه مؤتمن على العمل الذى وكل إليه، وكلف به حيث لم يؤده على الوجه المطلوب مع تقاضيه أجرًا عليه {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (الأنفال: ٢٧)، وعن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق عليه).