رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تعد كلمة «التطوير» في مصر تعني بالضرورة التحديث أو تحسين جودة الحياة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى غطاء ناعم لهدم الذاكرة، ومسح التاريخ، وارتكاب جريمة مكتملة الأركان في حق المدن وأهلها، ثم يُطلب من المواطنين أن يصفقوا.
ترام الرمل ليس مجرد وسيلة مواصلات، بل جزء أصيل من تراث الإسكندرية وتاريخها وشكلها الحضاري. معلم حيّ تشكلت حوله المدينة، وامتد في شرايينها، وصار جزءًا من ذاكرتها اليومية. الاقتراب منه لا يعني تغيير خط سير، بل المساس بروح مدينة كاملة، واستبدال جمالٍ متراكم عبر عشرات السنين بقبح الأسمنت الصامت، ثم تسويق ذلك باعتباره «تطويرًا».
كيف يُعقل أن تمتلك الإسكندرية أقدم وأطول وأوسع ترام داخل مدينة واحدة، ترامًا مصنفًا دوليًا، ثم يُباع خردة باسم التطوير؟
وكيف يكون لدينا ترام الدورين الفريد، الذي لا مثيل له في أي مدينة أخرى، بسعة استيعابية تصل إلى ألف راكب في الرحلة الواحدة، فنلغيه ونستبدله بوحدات أقل سعة بنحو 40%، ثم يُقال لنا إن ما جرى إنجاز؟
كيف تُلغى خطوط حيوية تخدم مستشفيات ومناطق تعليمية وتجمعات سكنية ممتدة؟
وكيف تُمحى محطات تمثل قلب الحركة اليومية للمدينة، تخدم آلاف المواطنين يوميًا، وكأنها لم تكن؟
كيف يُباع الترام الأحمر الأثري خردة؟
وكيف يُهدم خط عمره أكثر من 160 عامًا، هو ثاني أقدم خط ترام في العالم، والأقدم في إفريقيا والشرق الأوسط، وكأنه عبء بلا قيمة؟
وكيف يُنتزع الترام من وسط المساحات الخضراء والأشجار، ويُلقى به فوق الخرسانة الصماء، ثم يُقال لنا إن هذا هو وجه الحضارة الحديثة؟
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
إذا كانت مدن كبرى في أوروبا، دول غنية تمتلك إمكانيات هائلة، وتحتاج فعلًا إلى وسائل نقل أسرع وأكثر حداثة، قد اختارت أن تحافظ على الترام القديم وتُبقيه في الخدمة منذ أكثر من مئة عام، فلماذا لم تُلغِه؟
لأنها تدرك أن المدن التاريخية المكدسة لا تحتاج إلى سرعات عالية بقدر ما تحتاج إلى نقل منتظم، آمن، متوازن، ويحترم نسيجها العمراني.
حافظت تلك المدن على تشغيل الترام، لا كقطعة تراث جامدة، بل كوسيلة نقل حية، لأنها تفهم أن التحديث لا يعني محو المعالم، وأن الهوية الحضرية ليست عائقًا أمام التطور، بل جزء منه.
الحقيقة الصادمة أن ما يحدث في الإسكندرية ليس تطويرًا، بل استبدال للتاريخ بالمقاولات، والذاكرة بالأسمنت.
و أثناء هذا التطوير المتزامن مع توقف قطار ابوقير يعد الحديث الرسمي عن «مواصلات بديلة» يتجاهل الأرقام والمنطق معًا.
فعربة واحدة من الترام الأزرق تنقل عدد ركاب يعادل أكثر من ثلاثة أتوبيسات سعة 50 راكبًا.
والترام الواحد المكوَّن من ثلاث عربات يحتاج إلى ما لا يقل عن عشرة أتوبيسات لتعويضه.
ومع وجود 41 ترامًا أزرق فقط، فنحن نتحدث نظريًا عن أكثر من 410 أتوبيسات، دون احتساب الترام اللبني أو الأصفر، أي ما يزيد على 500 أتوبيس في شوارع تعاني أصلًا من الاختناق المروري.
خلال العامين المقبلين، ومع توقف الترام في 1 فبراير، فإن الحديث عن المواصلات البديلة يصبح ضربًا من الخيال. هذا الأمر سيؤدي إلى مشكلة كبيرة في الإسكندرية، وربما يصل إلى حد شلل المدينة، حيث ستُدفَع أعداد هائلة من الأوتوبيسات في شوارع ضيقة، مما يفاقم الاختناق المروري ويزيد من الأعباء على المواطنين.
فأي منطق هذا؟
وأي شارع في الإسكندرية قادر على استيعاب هذا الكم من الأتوبيسات؟
وأي سرعة سيحققها الأتوبيس في شارع حارة واحدة، متوقف أغلب الوقت؟
الأكثر غرابة أن التصريحات الرسمية تشير إلى أنه بعد انتهاء المشروع لن يتبقى سوى 30 وحدة فقط، ما يعني أن الأزمة لن تُحل، بل ستستمر، ولكن بعد أن نخسر الترام، ونخسر التاريخ، ونخسر أحد أهم معالم المدينة.
نحن لسنا ضد التطوير، ولم نكن يومًا أعداءً للتحديث.
لكننا ضد التخريب المقنّع، وضد أن يُقدَّم الهدم باعتباره إنجازًا.
نحن نطالب بتطوير ترام الرمل كما هو، بروحه، وبوحداته، لا بإلغائه.
تجديد الوحدات كما تم في مترو القاهرة – الخط الأول، أو تطويرها داخل ورش مصطفى كامل بعمرات حقيقية تشمل تحسين المظهر والعمرات الجسيمة وتوفير قطع الغيار.
وترميم المحطات، وتحديث نظم الإشارات، وغلق التقاطعات آليًا أثناء مرور الترام.
هكذا فقط نكون قد طورنا دون أن نقتل.
فالمدن التي تحترم نفسها لا تبيع تاريخها خردة.
ترام الرمل ليس مجرد وسيلة مواصلات،
بل أثر حيّ يتحرك.
ومن يفرّط فيه، لا يطوّر مدينة… بل يجرّدها من روحها.
وفي الختام، نوجّه نداءً إلى من يهمه الأمر: إن الإسكندرية تستحق أن تُحترم ذاكرتها وهويتها، وأن يُدار تطويرها بعقلانية ومسؤولية. فالتاريخ لا يُمحى، والإرث الحضري لا يُهدر.