لم يعد الفقر في مصر مجرد رقم في تقرير رسمي، ولا حالة اجتماعية هامشية، بل صار قدرًا يوميًا يطارد ملايين المواطنين، ويضغط على صدورهم حتى الاختناق. غَلَبةُ الدَّين لم تعد استثناء، وقهرُ الرجال لم يعد حكاية فردية، بل مشهدًا عامًا يتكرر بصمت.
شاب يُلقي بنفسه في النيل هربًا من الديون، سائق ينهي حياته لأن الأرقام ضاقت به، وأب يعجز عن توفير الحد الأدنى لأسرته. هذه ليست وقائع متفرقة، بل مؤشرات على مجتمع يُدار من أعلى، بينما يتآكل من أسفل.
في هذا المناخ القاسي، لا يدخل الفقراء مجلس النواب. قد يدخلون في الخُطب، في الشعارات، في اللافتات الانتخابية، لكنهم لا يعبرون البوابة الحديدية للمجلس، ولا يجلسون تحت القبة، ولا يشاركون في صياغة القوانين التي تحكم حياتهم.
المجلس موقر بالفعل، لكنه موقر بالمال، بالنفوذ، وبالقدرة على تحمّل كلفة السياسة. السياسة تحولت إلى مشروع باهظ الثمن، ومن لا يملك المال لا يملك فرصة حقيقية. الفقير مطلوب صوته لا رأيه، حضوره في الطوابير لا وجوده في التشريع.
القوانين التي تناقَش تحت القبة تمس الفقراء أولًا: الدعم، الضرائب، الأسعار، الإيجارات، الأجور، والخدمات. لكن من يناقشها غالبًا لم يعش قلق نهاية الشهر، ولا عرف معنى أن تختار بين دواء وطعام، أو بين إيجار ومدرسة.
هكذا تتحول العدالة الاجتماعية إلى شعار، والرقابة إلى إجراء شكلي، وتُكتب القوانين من زاوية القادرين على الاحتمال، بينما يُترك المنهكون وحدهم في مواجهة الدَّين والقهر.
غياب الفقراء عن البرلمان ليس خلل تمثيل فقط، بل خلل وعي. فمن لم يعش القهر، يصعب عليه أن يشرّع ضده. ومن لم يعرف غَلَبة الدَّين، لن يشعر بثقل القانون حين يسقط على صدور الناس.
سيظل الوطن متماسكًا رغم كل شيء، لأن أهله لا يكرهون أرضهم، لكنهم يخشون الانكسار داخلها. والأوطان لا تُنقذها القمم وحدها، بل إنصاف القاع، وسماع أنين من يدفعون الثمن الأكبر في صمت.