لم يحبّ شعبٌ أرضه كما أحبّ المصريون بلدهم، ولا يمكن أن يشكّ أحد في وطنيتهم. المصريون لا يكرهون هذا البلد، ولا يشكّون لحظة في وطنيتهم، ولا في وطنية قيادتهم. ولو كان هناك شيء واحد لا يمكن إنكاره، فهو أن المصريين أحبّوا بلدهم أكثر مما احتملت طاقتهم.
الحقيقة ببساطة أن المصريين لا يمكن أن يكونوا أعداء للوطن، ولا دعاة فوضى، ولا جاحدين. معظم المصريين أناس بسطاء، مرهقون، يحاولون أن يفهموا ما يحدث، وكيف يعيشون، وإلى متى يمكنهم الاحتمال.
هذا الشعب صبر كثيرًا، وضحّى كثيرًا، ودفع أثمانًا باهظة من عمره، وصحته، وأحلامه. لكن الصبر، حين يطول دون أفق واضح، يتحول إلى إنهاك. والإنهاك، حين يصبح عامًا، لا يعود مشكلة فرد، بل يتحول إلى أزمة مجتمع.
المواطن المصري اليوم لا يسأل عن الرفاهية، ولا يطلب المستحيل. هو يسأل فقط: هل أستطيع أن أعيش بكرامة؟ هل أستطيع أن أعمل، وأعالج أولادي، وأؤمّن مستقبلهم دون خوف دائم؟
لا يمكن إنكار وجود مشروعات كبرى، ولا التقليل من أي جهد يُبذل من أجل بناء الدولة. لكن الإشكالية الحقيقية أن قطاعًا واسعًا من الناس لا يشعر بأن هذه الجهود تمس حياته اليومية بشكل مباشر. حين يرى المواطن إنجازات ضخمة، بينما يعجز عن تلبية احتياجاته الأساسية، يبدأ الشعور بالفجوة، لا الكراهية.
الغلاء وحده مرهق، لكن الغلاء مع ضعف الدخل أو انعدامه كارثي. والبطالة، سواء المعلنة أو المقنّعة، أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله. عشرات الملايين في سن العمل، يعمل بعضهم أعمالًا غير مستقرة، ولا يعمل آخرون على الإطلاق، وكلهم يواجهون السؤال القاسي: كيف نعيش؟
بعض القرارات الاقتصادية كان لها منطقها في توقيتها، لكن آثارها الجانبية كانت قاسية على قطاعات واسعة من الناس. المشكلة ليست في القرار ذاته، بل في غياب البدائل السريعة، وفي شعور المواطن أنه تُرك وحده ليدفع الثمن.
هذا المقال ليس اتهامًا لأحد، ولا تشكيكًا في نوايا الدولة، ولا دعوة للاعتراض أو الصدام. هو مجرد محاولة صادقة لرؤية الصورة من زاوية المواطن العادي، الذي يحب بلده، ويخاف عليها، ويريد أن يشعر أنه شريك فيها، لا عبئًا عليها.
فالوطن لا يُقاس فقط بالمشروعات والأرقام، بل بقدرة الناس على الاحتمال، وبإحساسهم أن تعبهم مفهوم، وأن صوتهم مسموع، وأن الغد يحمل لهم أملًا حقيقيًا.
نحن لا نكره الوطن… نحن فقط متعبون، ونحتاج أن يشعر بنا الوطن.