عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما تصبح الذاكرة سلاحا لفهم إيران اليوم لا يكفي أن ننظر إلى صواريخها أو منشآتها النووية الأهم أن ندخل إلى ذاكرة قائدها الجديد مجتبى خامنئي لا يقرأ المشهد من برج عاجي بل ينظر إليه من خلال عدسات مشبعة بصور لم تفارقه جندي أمريكي يطيح بتمثال صدام حسين في بغداد مشاهد القذافي يسحب من مجرى ماء في سرت وأنظمة عربية كاملة انهارت في أسابيع لأنها اختارت الاستسلام بدل المواجهة هذه الذاكرة ليست مجرد ماضٍ بل هي خريطة تحذيرية ترسم خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها بالنسبة لمجتبى أي تراجع الآن يعني فتح الباب أمام سيناريو لا يحتمل نهاية النظام كما عرفها في العراق وليبيا.

أولا سيناريو العراق الدرس الذي لا ينسى
ما فعله الأمريكيون في العراق بعد 2003 لم يكن مجرد تغيير نظام كان تفكيكا كاملا للدولة حل الجيش إقالة البعثيين وترك البلاد تغلي في فوضى طائفية بالنسبة للنخبة الإيرانية المشهد كان صادما نظام صدام حسين الذي حكم بيد من حديد لمدة ثلاثة عقود انتهى في أسابيع ليس لأنه ضعيف بل لأنه آمن بأوهام التسوية واعتقد أن تقديم التنازلات سينقذه

الخلاصة التي استخلصها الإيرانيون
الاستسلام لا يضمن البقاء بل يسرع السقوط القوة الوحيدة التي تحترمها واشنطن هي القوة التي تستعد للموت في سبيل نفسها النظام الذي يفقد هيبته يفقد كل شيء هذه المعادلة أصبحت النص التأسيسي لعقلية المرشد الجديد إذا كان مصير صدام هو الاستسلام والشنق فليكن مصير إيران هو المواجهة حتى النهاية

ثانيا : ليبيا عقيدة لا ثقة في الغرب
سيناريو ليبيا كان مختلفًا لكنه أكثر إيلاما بالنسبة للمراقب الإيراني القذافي فعل ما طلب منه الغرب تخلى عن برنامجه النووي طواعية فتح بلاده للاستثمارات الغربية تخلى عن دعم الحركات التحررية ومع ذلك عندما اندلعت الثورة ضده لم يتحرك أحد لانقاذه بل شاركت طائرات الناتو في قصف قواته الدرس كان قاسيا الغرب لا يكافئ الضعف بل يستغله مجتبى خامنئي يقرأ هذا الدرس بعناية تقديم تنازلات جوهرية سواء في الملف النووي أو في الملف الاقليمي لن يشتري للنظام حماية أمريكية بل سيكشف ضعفه ويشجع الخصوم على المزيد من الضغط

ثالثا : المعادلة الجديدة يا نعيش عيشة فل يا نموت أحنا الكل هنا يأتي البعد النفسي الاكثر عمقا العبارة المصرية الشهيرة يا نعيش عيشة فل يا نموت أحنا الكل تعبر بدقة عن عقلية الحصار التي تعيشها القيادة الإيرانية اليوم

هذه ليست مجرد شعارات حماسية بل استراتيجية بقاء تقوم على ثلاث ركائز

1 رفع سقف التكاليف للخصوم
ايران تراهن على أن الخصوم أمريكا وإسرائيل والدول العربية ليسوا مستعدين لدفع ثمن باهظ مقابل تغيير النظام إذا كانت المواجهة تعني حربا اقليمية شاملة تدمر البنى التحتية للنفط في الخليج وتغلق مضيق هرمز لأشهر وتستنزف الاحتياطيات العسكرية للجميع فإن واشنطن وتل أبيب قد تترددان في اتخاذ الخطوة النهائية

2 استباق الضربة القاضية
في منطق مجتبى الهجوم المبكر هو أفضل دفاع بدلا من انتظار الضربة الأمريكية أو الإسرائيلية التي يعتقد أنها قادمة حتمًا قرر أن يضرب أولا وأن تكون الضربات مدمرة ومفاجئة لكي يظهر أمام شعبه وحلفائه أنه لا ينتظر الموت

3 تعبئة الشعب تحت شعار لا تراجع
أحد الدروس من العراق وليبيا أن انقسام الداخل كان سببا رئيسيًا في السقوط لذلك تعمل القيادة الإيرانية على خلق حالة من الحشد الشعبي الدائم حيث يصبح أي حديث عن التفاوض أو التراجع خيانة وطنية الشعار الذي ترفعه نحن أمام خيارين فقط النصر أو الشهادة

رابعا : لكن هل هذه الاستراتيجية محصنة
رغم قوة هذا المنطق من الناحية النفسية إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة

المخاطرة الأولى سوء تقدير توازن القوى
إيران تراهن على ان الخصوم لن يتحملوا حربا شاملة لكن ماذا لو كانوا مستعدين ماذا لو قررت ادارة أمريكية جديدة أن الحرب الوقائية هي الحل الوحيد لمنع إيران نووية هنا قد تجد إيران نفسها في مواجهة قوة لا تقبل الردع

المخاطرة الثانية العزلة الإقليمية الكاملة
التحالف العربي الذي تشكل مؤخرا لم يكن موجودًا في زمن صدام أو القذافي اليوم إيران تواجه جبهة عربية متماسكة تمتلك القدرات المالية والعسكرية والسياسية لاستنزافها هذه الجبهة قد تجعل ثمن المواجهة أعلى مما توقعت طهران

المخاطرة الثالثة البعد الداخلي
الذاكرة الإيرانية تركز على أخطاء الخصوم لكنها قد تغفل عن أخطاء النظام نفسه فالشعب الإيراني يعاني من تدهور اقتصادي غير مسبوق. إذا وصلت التكلفة الاقتصادية للحرب إلى مستويات لا تطاق فقد ينقلب الحشد الشعبي إلى غضب شعبي لا يمكن السيطرة عليه

الخلاصة ذاكرة من الموتى تقود الأحياء
مجتبى خامنئي يقود إيران اليوم بعيون ترى صداما مشنوقا وقذافي مسحوبا في وحل هذه الذاكرة تمنحه قسوة غير عادية في اتخاذ القرارات لكنها قد تحجب عنه رؤية أن اللعبة تغيرت

الشرق الأوسط اليوم ليس كما كان عام 2003 او 2011 التحالفات تبدلت والتوازنات العسكرية اختلفت والشعوب العربية لم تعد تنظر إلى إيران بنفس الخوف أو الترقب

السؤال الحقيقي هل يكفي أن تكون مستعدًا للموت لكي تفرض إرادتك أم أن هناك لحظة تصبح فيها الرغبة في البقاء هي الحكمة الحقيقية هذا هو الامتحان الأصعب الذي يواجه المرشد الجديد أن يقرأ الماضي دون أن يصبح أسيرا له.