عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 لم يعد الصراع في العالم الرقمي يدور حول من يملك المعلومة، بل حول من يملك انتباهك. في كل لحظة تقضيها على هاتفك، هناك عشرات الشركات التي تتنافس بصمت للفوز بثوانٍ من تركيزك، لأن هذه الثواني لم تعد مجرد وقت ضائع، بل تحولت إلى سلعة تُباع وتُشترى فيما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه".
 منصات مثل YouTube وInstagram  لا تقدم محتوى عشوائيًا، بل تعتمد على خوارزميات معقدة تدرس سلوكك بدقة: ماذا تشاهد، كم من الوقت تقف عند كل مقطع، متى تتوقف، ومتى تعود، هذه البيانات تُستخدم لتقديم محتوى مُصمم خصيصًا لك، ليس بهدف إرضائك فقط، بل لإبقائك أطول فترة ممكنة داخل المنصة.
 وفق تقارير صادرة عن Harvard Business Review، فإن اقتصاد الانتباه يقوم على مبدأ بسيط: "كلما زاد الوقت الذي تقضيه، زادت الأرباح التي تحققها الشركات". لكن هذه المعادلة تخفي وراءها تأثيرًا أعمق، حيث لا يقتصر الأمر على استهلاك المحتوى، بل يمتد إلى تشكيل القرارات نفسها.
 حين تقضي ساعات في مشاهدة نوع معين من المحتوى، تبدأ تدريجيًا في تبني أنماط تفكير مرتبطة به، خوارزميات المنصات لا تكتفي بعرض ما تحب، بل تدفعك نحو ما يشبهه، ما يخلق ما يُعرف بـ"فقاعات التصفية".
 الأخطر أن هذا التأثير لا يتوقف عند حدود الأفكار، بل يمتد إلى السلوك، قرارات الشراء، على سبيل المثال، لم تعد نتيجة حاجة فعلية فقط، بل نتيجة تعرض متكرر لمحتوى تسويقي مُقنع، وكذلك الحال في المواقف الاجتماعية والسياسية.
 لكن هل المستخدم مجرد ضحية؟ الواقع أكثر تعقيدًا، فالمستخدم يشارك طواعية في هذه المنظومة، من خلال التفاعل المستمر مع المحتوى، ما يمنح الخوارزميات بيانات أدق لتوجيهه بشكل أكثر فاعلية، إنها علاقة تبادلية، لكنها غير متكافئة، لأن الطرف الآخر يمتلك أدوات تحليل وتأثير تفوق إدراك الفرد العادي.
 ورغم هذه الصورة التي قد تبدو مقلقة، لا يمكن إنكار أن اقتصاد الانتباه أتاح فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة والترفيه، المشكلة ليست في وجوده، بل في غياب الوعي به. فحين يدرك المستخدم أن وقته أصبح هدفًا، يمكنه أن يعيد السيطرة على طريقة استهلاكه للمحتوى.
 الحل لا يكمن في الانسحاب من العالم الرقمي، بل في استخدامه بوعي: تحديد وقت الاستخدام، تنويع مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء ما تفرضه الخوارزميات بشكل كامل، هذه الخطوات البسيطة قد تعيد التوازن لعلاقة أصبحت مختلة بشكل متزايد.