ليست البيوت في مصر مجرد جدرانٍ تُستبدل كل عدة أعوام، وليست الأحياء مجرد خرائط تغير أسماؤها أو سكانها مع الزمن، فالبيت المصري كان دائمًا امتدادا للروح، وكانت الحارة جزءًا من تكوين الإنسان نفسه. ولهذا يبدو قانون الإيجار الجديد، بما يفرضه من فكرة التنقل المستمر وتبدل المسكن كل فترة، وكأنه لا يمس العقار فقط، بل يقترب من إعادة تشكيل طبيعة المجتمع المصري وخصائص شخصيته المتوارثة.
فالمصري بطبعه ابن المكان. يعرف البائع في أول الشارع، ويحفظ وجوه الجيران، وتعرفه الأرصفة كما يعرفها. تنمو علاقته بالحارة ببطء يشبه نمو الشجر، جذور تمتد في الذاكرة والوجدان، حتى يصبح الحي جزءًا من الهوية الشخصية والاجتماعية معًا. ولهذا لم تكن عبارة أهل الحتة مجرد وصف عابر، بل كانت نظامًا اجتماعيًا كاملًا يقوم على الألفة والتكافل والمراقبة الإنسانية الرحيمة التي تحفظ المجتمع من التفكك.
في الحي الشعبي المصري كانت الأم تترك طفلها مطمئنة لأن العيون كلها تعرفه، وكان المريض يجد من يسأل عنه قبل أن يطلب، وكانت المناسبات الخاصة تتحول إلى شأن جماعي يشارك فيه الجميع؛ فرحًا كان أو حزنًا. هكذا تشكلت الشخصية المصرية: من القرب الإنساني، ومن دفء العلاقات الممتدة، ومن شعور الإنسان بأنه ليس فردًا معزولًا داخل مدينة ضخمة، بل عضو في نسيج اجتماعي يعرفه ويحتويه.
لكن فكرة الانتقال المستمر بين المساكن تُحوِّل الإنسان تدريجيًا إلى عابر سبيل داخل مدينته. تخيل شخصًا يسكن في عين شمس لعامين فقط، ثم يجد نفسه مضطرًا للانتقال إلى فيصل. ليس الأمر مجرد تغيير عنوان على بطاقة، بل انتقال كامل بين عالمين مختلفين في الطباع والإيقاع والعلاقات اليومية. لكل حي لغته الاجتماعية غير المكتوبة، وعاداته، وطريقته في التواصل، وحتى شعوره الخاص بالأمان والانتماء. فيبدأ الإنسان كل مرة من الصفر؛ وجوه جديدة، شوارع غريبة، ومسافات نفسية لا تُرى لكنها تُرهق الروح.
ولا تتوقف الأزمة عند اختلاف البشر فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الصغيرة. فالمساحات تختلف، وطبيعة السكن تختلف، فيُضطر الإنسان كل عدة أعوام إلى تغيير أثاثه أو الاستغناء عن جزء منه ليتلاءم مع البيت الجديد. وكأن البيت لم يعد ذاكرة مستقرة، بل حقيبة مؤقتة قابلة للفك والتركيب. ومع الوقت يفقد الإنسان إحساسه بأن له مكانًا ثابتًا يحتويه، فيعيش حالة متواصلة من العُزلة الداخلية والاغتراب النفسي، حتى وهو داخل وطنه ومدينته.
وربما لهذا أستطيع أن أقول بفخر: أنا ابنة العباسية، وهذا ما نجوتُ به. نجوت بذاكرة المكان، وبالوجوه التي كبرتُ بينها، وبالإحساس العميق أن هناك شارعًا يعرفني وأعرفه، وأن الانتماء ليس كلمة تُقال، بل حياة كاملة تتكون ببطء داخل الإنسان حتى تصبح جزءًا من روحه.
إن أخطر ما في التنقل الدائم أنه يقتل فكرة الجذور. فلا صديق عمر يتكون، ولا جار يتحول إلى سند، ولا طفل يكبر وهو يشعر أن الشارع يعرف خطواته. تتحول العلاقة بالمكان إلى علاقة عابرة، باردة، خالية من الحميمية التي عُرفت بها الأحياء المصرية لعقود طويلة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية فالقضية ليست اقتصادية فقط، بل اجتماعية وثقافية ونفسية أيضًا. لأن تفكيك فكرة الحارة يعني تفكيك أحد أهم الحصون التي حافظت طويلًا على تماسك المجتمع المصري. وعندما تضيع البصمة الاجتماعية لكل حي، يضيع معها جزء من روح المدينة، ومن إحساس الإنسان بالأمان والانتماء.
إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى أيضًا بحماية الروابط الإنسانية التي تمنح الناس شعورهم بالاستقرار والهوية. وربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد ذاكرته المكانية، لأن الإنسان حين يتوقف عن الانتماء إلى مكان، يبدأ تدريجيًا في فقدان انتمائه إلى الجماعة نفسها.
ولهذا يبقى السؤال الأهم هل نريد مدنًا مليئة بالبنايات فقط، أم نريد مجتمعًا حيًا يحتفظ بروحه وملامحه ودفء علاقاته التي صنعت الشخصية المصرية عبر مئات السنين؟
فلا تسالوا "ماذا حدث للمصرين"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض