من ساحات القتال إلى منصات التواصل: حرب الشائعات
معارك بلا مدافع ولا طائرات وتأثيرها على المواطنين أقوى
خبير استراتيجى: الشائعات أخطر أسلحة حرب المعلومات
استشارى نفسى يحذر من عدوى القلق الجماعى وتأثيرها على الاقتصاد الوطنى
لم تعد الحروب الحديثة تخاض فقط بالأسلحة التقليدية أو عبر خطوط المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر حساسية وتأثيراً، تستهدف وعى الشعوب وإدراكها وفى قلب هذه المعادلة تبرز «حرب الشائعات» كإحدى أخطر أدوات الصراع المعاصر، إذ تقوم على زعزعة الاستقرار النفسى والاجتماعى، وبث القلق، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، خاصة فى أوقات الأزمات التى تتسم بارتفاع منسوب التوتر والترقب.
فمع تسارع تدفق المعلومات عبر المنصات الرقمية، باتت الشائعة قادرة على الانتشار فى دقائق معدودة، لتتحول من مجرد خبر غير موثق إلى موجة من القلق الجماعى، قد تنعكس فى صورة سلوكيات اقتصادية واجتماعية مضطربة، مثل التهافت على تخزين السلع أو رفع الأسعار أو تداول روايات غير دقيقة. وهنا تتجاوز خطورة الشائعة بعدها الإعلامى، لتصبح أداة لإعادة تشكيل السلوك المجتمعى استناداً إلى معلومات مغلوطة.
يؤكد اللواء دكتور نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية والمستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الشائعات تمثل أحد أخطر أسلحة الحرب النفسية، موضحاً أن تأثيرها لا يتوقف عند حدود نشر معلومة غير صحيحة، بل يمتد إلى توجيه قرارات الأفراد والجماعات فى مسارات تخدم أهداف الطرف المعادى وتضر بالمصلحة الوطنية.
ويشرح أن الإنسان بطبيعته يتخذ قراراته بناءً على المعلومات المتاحة لديه، فإذا كانت هذه المعلومات مضللة، فإن القرار الناتج عنها سيكون بالضرورة خاطئاً. ويضيف أن الشائعة فى جوهرها «معلومة موجهة» يتم ضخها بشكل متعمد إلى فئة مستهدفة بغرض التأثير على وعيها وسلوكها، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف بـ«حرب المعلومات».
ويضرب مثالاً بشائعة حول ارتفاع وشيك فى أسعار سلعة استراتيجية، مؤكداً أن مجرد تداولها يدفع المواطنين إلى التكدس والتخزين، ما يخلق أزمة فعلية لم تكن موجودة، ويحقق الهدف الأساسى للحرب النفسية، وهو إرباك الداخل وإثارة القلق الجماعى.
ويشير إلى أن أدوات نشر الشائعات تطورت بصورة غير مسبوقة؛ فبعد أن كانت تعتمد فى الماضى على الاتصال المباشر أو المنشورات المحدودة الانتشار، أصبحت اليوم ترتكز على الفضاء الإلكترونى ومنصات التواصل الاجتماعى، فضلاً عن تقنيات التزييف العميق التى قد تظهر شخصيات عامة فى مقاطع مفبركة تبدو شديدة الواقعية، ما يزيد من تعقيد المواجهة. ويشدد على أن الشفافية وسرعة إصدار البيانات الرسمية تمثلان خط الدفاع الأول، موضحاً أن الفراغ المعلوماتى هو البيئة الأكثر خصوبة لازدهار الإخبار الكاذبة، وأن كل تأخير فى تقديم المعلومة الدقيقة يمنح الشائعة مساحة أوسع للانتشار والتأثير.
من جانبه، يؤكد الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى لـ«الوفد»، أن الشائعات فى أوقات الأزمات لا تحدث اضطراباً معلوماتياً فحسب، بل تضرب البناء النفسى للمجتمع بشكل مباشر، خاصة عندما يكون المواطن فى حالة ترقب وقلق.
ويوضح أن الشائعة تعد أحد أدوات الحرب النفسية، سواء وجهت لكسر الروح المعنوية للخصم، أو استخدمت ضمن عمليات نفسية داخلية لاختبار اتجاهات الرأى العام. ويشير إلى أن للشائعات أنماطاً متعددة، منها»الزاحفة» التى تنتشر تدريجياً، و«المضخمة» القائمة على التهويل، و«الطافية» التى تظهر فجأة ثم تختفى، لكنها جميعاً تترك أثراً نفسياً متراكماً.
ويضيف أن فترات الحروب والأزمات تمثل بيئة مثالية لانتشار الإخبار المتعلقة بالاغتيالات أو الانهيارات الاقتصادية أو نقص السلع، موضحاً أن الهدف الأساسى منها هو خفض الروح المعنوية وبث الرعب والارتباك داخل المجتمع.
ويؤكد أن التأثير يمتد سريعاً إلى الجانب الاقتصادى، إذ تؤدى شائعة عن ارتفاع سعر الدولار أو اختفاء سلعة ما إلى موجات من القلق الجماعى، فيسارع البعض إلى التخزين أو رفع الأسعار، ما ينتج أزمة فعلية. ويصف ذلك بما يعرف فى علم النفس بـ«عدوى القلق»، حيث تنتقل مشاعر الخوف من فرد إلى آخر حتى تتحول إلى حالة ذعر جماعى.
ويشدد فرويز على أن سرعة الرد الرسمى عامل حاسم فى احتواء الشائعة، مؤكداً أن التأخر فى المواجهة يمنحها فرصة للتجذر فى وعى الناس، ويصعب تفكيكها لاحقاً. كما يلفت إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تصديق الإخبار السلبية فى أوقات الأزمات، ما يفسر سرعة انتشار الروايات المثيرة للخوف مقارنة بالإخبار المطمئنة.
وفيما يتعلق بتطور أدوات الحرب النفسية، يشير فرويز إلى أن الحروب القديمة اعتمدت على تضخيم صورة القادة وبث الرعب حولهم عبر روايات تظهرهم كقوى لا تهزم، بينما انتقلت المعركة اليوم إلى الفضاء الرقمى، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعى الساحة الرئيسية لتشكيل الرأى العام.
ويختتم بالتأكيد على أن هذه المنصات، رغم كونها أداة رئيسية فى نشر الشائعات، يمكن أن تتحول إلى وسيلة فعالة لنشر الحقائق إذا استخدمت بمسئولية، سواء من قبل الجهات الرسمية أو المواطنين، عبر التحقق من المصادر وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة. وبين التحليل الاستراتيجى والنفسى، تتضح معالم معركة الوعى باعتبارها أحد أهم ميادين الصراع المعاصر، حيث لم يعد السلاح الأخطر هو ما يطلق فى ساحات القتال، بل ما يزرع فى العقول، وما يتداول فى الفضاء الرقمى، فى معركة تتطلب وعياً مجتمعياً، واستجابة مؤسسية سريعة، وإعلاماً مهنياً قادراً على تفكيك الشائعة قبل أن تتحول إلى أزمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض