بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭:‬ حرب‭ ‬الشائعات

بوابة الوفد الإلكترونية

معارك‭ ‬بلا‭ ‬مدافع‭ ‬ولا‭ ‬طائرات‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬أقوى

خبير‭ ‬استراتيجى‭: ‬الشائعات‭ ‬أخطر‭ ‬أسلحة‭ ‬حرب‭ ‬المعلومات

استشارى‭ ‬نفسى‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬عدوى‭ ‬القلق‭ ‬الجماعى‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطنى

 

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬تخاض‭ ‬فقط‭ ‬بالأسلحة‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬وتأثيراً،‭ ‬تستهدف‭ ‬وعى‭ ‬الشعوب‭ ‬وإدراكها‭ ‬وفى‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬تبرز‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الشائعات‮»‬‭ ‬كإحدى‭ ‬أخطر‭ ‬أدوات‭ ‬الصراع‭ ‬المعاصر،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬النفسى‭ ‬والاجتماعى،‭ ‬وبث‭ ‬القلق،‭ ‬وزعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬ومؤسسات‭ ‬دولته،‭ ‬خاصة‭ ‬فى‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬التى‭ ‬تتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬التوتر‭ ‬والترقب‭.‬
فمع‭ ‬تسارع‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬باتت‭ ‬الشائعة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬فى‭ ‬دقائق‭ ‬معدودة،‭ ‬لتتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬غير‭ ‬موثق‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬الجماعى،‭ ‬قد‭ ‬تنعكس‭ ‬فى‭ ‬صورة‭ ‬سلوكيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مضطربة،‭ ‬مثل‭ ‬التهافت‭ ‬على‭ ‬تخزين‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬تداول‭ ‬روايات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭. ‬وهنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬خطورة‭ ‬الشائعة‭ ‬بعدها‭ ‬الإعلامى،‭ ‬لتصبح‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السلوك‭ ‬المجتمعى‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬مغلوطة‭.‬

يؤكد‭ ‬اللواء‭ ‬دكتور‭ ‬نصر‭ ‬سالم،‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والمستشار‭ ‬بأكاديمية‭ ‬ناصر‭ ‬العسكرية‭ ‬العليا‭ ‬ورئيس‭ ‬جهاز‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الأسبق،‭ ‬فى‭ ‬حديثه‭ ‬لـ«الوفد‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬الشائعات‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬أسلحة‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬تأثيرها‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬نشر‭ ‬معلومة‭ ‬غير‭ ‬صحيحة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬قرارات‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬فى‭ ‬مسارات‭ ‬تخدم‭ ‬أهداف‭ ‬الطرف‭ ‬المعادى‭ ‬وتضر‭ ‬بالمصلحة‭ ‬الوطنية‭.‬
ويشرح‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬بطبيعته‭ ‬يتخذ‭ ‬قراراته‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة‭ ‬لديه،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬مضللة،‭ ‬فإن‭ ‬القرار‭ ‬الناتج‭ ‬عنها‭ ‬سيكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬خاطئاً‭. ‬ويضيف‭ ‬أن‭ ‬الشائعة‭ ‬فى‭ ‬جوهرها‭ ‬‮«‬معلومة‭ ‬موجهة‮»‬‭ ‬يتم‭ ‬ضخها‭ ‬بشكل‭ ‬متعمد‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬مستهدفة‭ ‬بغرض‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬وعيها‭ ‬وسلوكها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«حرب‭ ‬المعلومات‮»‬‭.‬
ويضرب‭ ‬مثالاً‭ ‬بشائعة‭ ‬حول‭ ‬ارتفاع‭ ‬وشيك‭ ‬فى‭ ‬أسعار‭ ‬سلعة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬تداولها‭ ‬يدفع‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬التكدس‭ ‬والتخزين،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬أزمة‭ ‬فعلية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة،‭ ‬ويحقق‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسى‭ ‬للحرب‭ ‬النفسية،‭ ‬وهو‭ ‬إرباك‭ ‬الداخل‭ ‬وإثارة‭ ‬القلق‭ ‬الجماعى‭.‬
ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬نشر‭ ‬الشائعات‭ ‬تطورت‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬فى‭ ‬الماضى‭ ‬على‭ ‬الاتصال‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬المنشورات‭ ‬المحدودة‭ ‬الانتشار،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكترونى‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعى،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تقنيات‭ ‬التزييف‭ ‬العميق‭ ‬التى‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬شخصيات‭ ‬عامة‭ ‬فى‭ ‬مقاطع‭ ‬مفبركة‭ ‬تبدو‭ ‬شديدة‭ ‬الواقعية،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المواجهة‭. ‬ويشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشفافية‭ ‬وسرعة‭ ‬إصدار‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬تمثلان‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬الفراغ‭ ‬المعلوماتى‭ ‬هو‭ ‬البيئة‭ ‬الأكثر‭ ‬خصوبة‭ ‬لازدهار‭ ‬الإخبار‭ ‬الكاذبة،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬تأخير‭ ‬فى‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومة‭ ‬الدقيقة‭ ‬يمنح‭ ‬الشائعة‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للانتشار‭ ‬والتأثير‭.‬
من‭ ‬جانبه،‭ ‬يؤكد‭ ‬الدكتور‭ ‬جمال‭ ‬فرويز،‭ ‬استشارى‭ ‬الطب‭ ‬النفسى‭ ‬لـ«الوفد‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬الشائعات‭ ‬فى‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬اضطراباً‭ ‬معلوماتياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تضرب‭ ‬البناء‭ ‬النفسى‭ ‬للمجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬المواطن‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬ترقب‭ ‬وقلق‭.‬
ويوضح‭ ‬أن‭ ‬الشائعة‭ ‬تعد‭ ‬أحد‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية،‭ ‬سواء‭ ‬وجهت‭ ‬لكسر‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬للخصم،‭ ‬أو‭ ‬استخدمت‭ ‬ضمن‭ ‬عمليات‭ ‬نفسية‭ ‬داخلية‭ ‬لاختبار‭ ‬اتجاهات‭ ‬الرأى‭ ‬العام‭. ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬للشائعات‭ ‬أنماطاً‭ ‬متعددة،‭ ‬منها»الزاحفة‮»‬‭ ‬التى‭ ‬تنتشر‭ ‬تدريجياً،‭ ‬و«المضخمة‮»‬‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التهويل،‭ ‬و«الطافية‮»‬‭ ‬التى‭ ‬تظهر‭ ‬فجأة‭ ‬ثم‭ ‬تختفى،‭ ‬لكنها‭ ‬جميعاً‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬نفسياً‭ ‬متراكماً‭.‬
ويضيف‭ ‬أن‭ ‬فترات‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات‭ ‬تمثل‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لانتشار‭ ‬الإخبار‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالاغتيالات‭ ‬أو‭ ‬الانهيارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬السلع،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسى‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬خفض‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬وبث‭ ‬الرعب‭ ‬والارتباك‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬
ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬يمتد‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادى،‭ ‬إذ‭ ‬تؤدى‭ ‬شائعة‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الدولار‭ ‬أو‭ ‬اختفاء‭ ‬سلعة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬الجماعى،‭ ‬فيسارع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التخزين‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬أزمة‭ ‬فعلية‭. ‬ويصف‭ ‬ذلك‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬فى‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬بـ«عدوى‭ ‬القلق‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تنتقل‭ ‬مشاعر‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فرد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬ذعر‭ ‬جماعى‭.‬
ويشدد‭ ‬فرويز‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬الرد‭ ‬الرسمى‭ ‬عامل‭ ‬حاسم‭ ‬فى‭ ‬احتواء‭ ‬الشائعة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬التأخر‭ ‬فى‭ ‬المواجهة‭ ‬يمنحها‭ ‬فرصة‭ ‬للتجذر‭ ‬فى‭ ‬وعى‭ ‬الناس،‭ ‬ويصعب‭ ‬تفكيكها‭ ‬لاحقاً‭. ‬كما‭ ‬يلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يميل‭ ‬بطبيعته‭ ‬إلى‭ ‬تصديق‭ ‬الإخبار‭ ‬السلبية‭ ‬فى‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الروايات‭ ‬المثيرة‭ ‬للخوف‭ ‬مقارنة‭ ‬بالإخبار‭ ‬المطمئنة‭.‬
وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتطور‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية،‭ ‬يشير‭ ‬فرويز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬القديمة‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬تضخيم‭ ‬صورة‭ ‬القادة‭ ‬وبث‭ ‬الرعب‭ ‬حولهم‭ ‬عبر‭ ‬روايات‭ ‬تظهرهم‭ ‬كقوى‭ ‬لا‭ ‬تهزم،‭ ‬بينما‭ ‬انتقلت‭ ‬المعركة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمى،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعى‭ ‬الساحة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لتشكيل‭ ‬الرأى‭ ‬العام‭.‬
ويختتم‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنصات،‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬فى‭ ‬نشر‭ ‬الشائعات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬فعالة‭ ‬لنشر‭ ‬الحقائق‭ ‬إذا‭ ‬استخدمت‭ ‬بمسئولية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬المواطنين،‭ ‬عبر‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬وعدم‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬العناوين‭ ‬المثيرة‭. ‬وبين‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجى‭ ‬والنفسى،‭ ‬تتضح‭ ‬معالم‭ ‬معركة‭ ‬الوعى‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬ميادين‭ ‬الصراع‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السلاح‭ ‬الأخطر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬فى‭ ‬ساحات‭ ‬القتال،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يزرع‭ ‬فى‭ ‬العقول،‭ ‬وما‭ ‬يتداول‭ ‬فى‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمى،‭ ‬فى‭ ‬معركة‭ ‬تتطلب‭ ‬وعياً‭ ‬مجتمعياً،‭ ‬واستجابة‭ ‬مؤسسية‭ ‬سريعة،‭ ‬وإعلاماً‭ ‬مهنياً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬الشائعة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭.‬