رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الزاد

فى لحظة إقليمية دقيقة للغاية، حيث تتشابك النيران مع الحسابات، وتعلو أصوات السلاح على نداءات العقل، تتحرك مصر بثبات الدولة التى تعرف وزنها، وتدرك أن أخطر ما يهدد المنطقة ليس مجرد صواريخ تُطلق، بل فِتن تُصنع بعناية، وتُغذّى بالشائعات، وتُروّج عبر منصات تسعى إلى تأجيج الصراعات وإضعاف التضامن العربى.

ما نشهده اليوم ليس تصعيدًا عسكريًا عابرًا، بل هو مشروع ممنهج لإعادة رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط على حساب استقرار دوله ووحدة شعوبه. وفى قلب هذا المشروع، هناك من يسعى إلى زرع الشقاق بين الدول العربية، ودفعها نحو مسارات متباعدة تُفقدها قدرتها على التماسك، وتضعف موقفها الجماعى أمام التحديات المصيرية.

لكن التحليل الدقيق للقاءات الرئيس عبدالفتاح السيسى مع قيادات الإمارات وقطر، فى زيارته الأخيرة، وقبلها مع السعودية فى 23 فبراير، وكذا بقية دول الخليج، يكشف الصورة الحقيقية: هذه اللقاءات لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسى، بل إعلان صريح عن موقف مصر الراسخ. رسالة تقول: مصر حاضرة، ومنحازة لاستقرار الأشقاء، وأمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومى، ولن تسمح لأى طرف بجر المنطقة نحو مربع الفوضى.

وجدد الرئيس السيسى فى هذا السياق إدانة الاعتداءات الإيرانية السافرة التى تستهدف دولة الإمارات وعددًا من الدول الشقيقة، معتبرًا أن ذلك انتهاك صارخ لسيادة هذه الدول، وخروج عن القانون الدولى. وأكد أن مصر تقف بكل ثقلها إلى جانب الإمارات، داعمة لكل الإجراءات المشروعة التى تتخذها لحماية أمنها وصون أراضيها وضمان سلامة مواطنيها.

موقف مصر كان واضحًا لا غموض فيه: إدانة أى اعتداء يمس سيادة الدول العربية، والتأكيد على التضامن الكامل مع الإمارات وقطر، مع الدعوة الصريحة إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية. هذا التوازن ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة السياسية، لأن الحفاظ على الاستقرار يحتاج إلى شجاعة أكبر من إشعال الصراعات.

واللافت، وربما الأكثر خطورة، هو الضجيج الإعلامى والسوشيال ميديا الذى يحاول تقليل هذه الجهود، والتشكيك فى دور مصر، وكأن المطلوب تغييب صوت العقل وإقصاء الدولة التى كانت، ولا تزال، حجر الزاوية فى معادلة الأمن العربى.

هؤلاء الذين يشككون يتجاهلون عن قصد أن مصر لم تتخل يومًا عن قضايا أمتها، ولم تغب عن أى لحظة فارقة فى تاريخ المنطقة. من الدفاع عن الأمن القومى العربى، إلى دعم استقرار الدول، إلى السعى الدائم لتقريب وجهات النظر، ظلت القاهرة تتحرك وفق رؤية ثابتة: أمن العرب لا يتجزأ، واستقرار أى دولة جزء لا ينفصل عن استقرار الجميع.

محاولات بث الفتنة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر خطورة، لأنها تستخدم أدوات حديثة، تتحرك فى بيئة مشحونة، وتستغل أى خلاف لتوسيعه، وأى تباين لتحويله إلى صدام. وهنا تكمن أهمية الدور المصرى، ليس فقط كوسيط، بل كحائط صد أمام هذا المشروع التفكيكى.

الرسالة التى خرجت من لقاءات الإمارات وقطر واضحة وجلية: لا مكان للفتنة، لا قبول بتوسيع دائرة الصراع، ولا بديل عن الحوار البنّاء. وهى رسالة يجب أن تُقرأ بوعى، لا أن تُحرّف، وأن تُدعم، لا أن تُحارب.

فى النهاية، الحقيقة أبسط من كل محاولات التشويه: مصر لا تبحث عن دور، لأنها جزء أصيل من معادلة المنطقة، ودورها ليس طارئًا حتى يُنتقص منه، ولا قابلًا للتجاهل حتى يُهمّش. ومن يراهن على الفتنة ينسى أن هناك دولًا، فى مقدمتها مصر، تعرف جيدًا كيف تُطفئ الحرائق قبل أن تلتهم الجميع.