رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي: «أولًا يتجاهلونك، ثم يضحكون عليك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر». هذه الكلمات تختصر مسيرة الدبلوماسية المصرية على مدى عقود، مسيرة بدأت بالاعتراف بالصين حين تجاهلها العالم، وانتهت بانتصار التاريخ لصوابية القرار المصري.
هذا العام، يأتي الاحتفال بيوم الدبلوماسية المصرية مميزًا، ليس فقط لأنه يتزامن مع مئوية تأسيس الوزارة، بل لأننا نشهد حالة من الوفاء الجماعي لهذه المؤسسة العريقة. المشهد الأكثر إلهامًا كان ذلك الفيديو الوثائقي الذي نشرته وزارة الخارجية على صفحاتها الرسمية، وجمع ستة من وزرائها السابقين. تخيلوا معي هذا المشهد: أجيال متعاقبة من الدبلوماسيين، من مختلف العصور والمراحل السياسية، يجتمعون في عمل واحد ليؤكدوا أن الدبلوماسية المصرية ليست مجرد جهاز حكومي، بل مدرسة متكاملة لها تلاميذها وأساتذتها وثوابتها الراسخة. كان حديثهم عن "الواجب والشرف والوطن" بمثابة رسالة واضحة لكل من يحاول النيل من مكانة مصر: هذه المؤسسة تملك مناعة تاريخية تجعلها عصية على الاختراق أو الانكسار.
ما يميز الدبلوماسية المصرية حقًا هو بُعد نظرها التاريخي، وقدرتها على اتخاذ مواقف صعبة تخالف التيار السائد، ليثبت الزمن صحتها. وهنا، لا يمكن إلا أن نستحضر شهادة السفير الكبير جمال بيومي، الذي أفرد في منشوره على فيسبوك نماذج رائعة تثبت أن مصر كانت دائمًا على حق، حتى عندما عارضها الكبار.
النموذج الأول: عندما اعترفت مصر بالصين الشعبية عام 1955، اعترضت أمريكا والغرب، وكان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أحد أشكال العقاب على هذا القرار. وبعد عقود، أصبحت الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم، وأكبر شريك تجاري لأمريكا نفسها.
النموذج الثاني: حين انضمت مصر إلى الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية (GATT) عام 1968، اتهمها الاتحاد السوفيتي والصين بأنها تنضم إلى "منظمة استعمارية". ولكن الصين انضمت بعد 37 عامًا، وروسيا بعد 45 عامًا من مصر.
النموذج الثالث: حافظت مصر على علاقاتها مع كوبا رغم الضغوط الأمريكية التي كانت تخصم من مساعداتها لمصر ما يعادل قيمة كل صفقة تجارية مع هافانا. ثم جاء الرئيس أوباما ليزور كوبا بنفسه، لينهي عقودًا من الخصومة.
النموذج الرابع: حين أطلقت مصر مبادرتها للسلام واسترداد سيناء بالكامل عام 1979، وقفت في وجهها "جبهة الصمود والتصدي". وكانت النتيجة استرداد كل شبر من أرض سيناء، بينما لا تزال الجولان محتلة، ويعاني آخرون من ويلات الحروب.
هذه المواقف الأربعة، التي سردها السفير بيومي بحكمته المعروفة، ليست مجرد أحداث تاريخية، بل دروس في الوطنية والشجاعة. تثبت أن الدبلوماسي المصري لا يمثل دولة عادية، بل دولة تمتلك رؤية وبصيرة، ولا تتردد في اتخاذ القرارات الصعبة مهما كانت التكلفة.

شهداء لا ينسون

وفي خضم الاحتفال بهذه المناسبة، نقف دقيقة صمت أمام أرواح لا تغيب. أرواح ارتدت البذلة الرسمية وسافرت باسم مصر، فلم تعد. هناك في الصومال، اغتيل السفير محمد كمال الدين صلاح عام 1957، وكان ممثلًا لمصر في مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة، فكان أول الشهداء. وفي تايلاند، استشهد شريف محمد فهمي، السكرتير الثالث، شابًا في مقتبل العمر عام 1976. وفي إسلام آباد، حين فُجِّرت سفارتنا عام 1995، استُشهد أحمد نمير، وهشام أبو الوفا، وثلاثة من رجال الأمن: السيد حسين، وأيمن محمد، ومحمود عبد المقصود. وفي المكسيك، رحل محمد إسماعيل السيد عام 1998. وفي العراق، اغتيل السفير إيهاب الشريف عام 2005، بعد اختطافه. وفي كينيا، استشهد خالد عبد العظيم شرف عام 2010. وآخرهم كان محمد الغراوي، مساعد الملحق الإداري، الذي استشهد في السودان عام 2024.

هؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين، بل كانوا آباءً وأبناءً وإخوة. تركوا أسرهم وذهبوا في مهمة وطنية، فكانت الجنة مثواهم. تحية لشهداء الدبلوماسية المصرية، الذين رووا بدمائهم راية هذا الوطن، وخلدوا اسم مصر في كل بقعة من بقاع الأرض.
يبقى يوم الدبلوماسية المصرية فرصة للتأمل في مسيرة وطنية حافلة بالعطاء والتضحية. تحية لكل دبلوماسي مصري يعمل بصمت خلف الكواليس، وتحية لشهدائنا الذين سطروا بدمائهم معاني الفداء.
قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: "الحكمة رحلة مستمرة من التعلم والتأمل". نجد أن خير من يجسد هذه الرحلة هم رجال وسيدات الخارجية المصرية، الذين جعلوا من البصيرة التاريخية نهجًا، ومن الصبر طريقًا للنصر. إنهم يدافعون عن الوطن بأدوات لا تعتمد على قوة السلاح، بل على قوة الكلمة وحكمة المواقف وعراقة التاريخ.