حكاوى
هناك مصير مشترك بين مصر ودول الخليج، ويعكس هذا المفهوم واقعاً جيوسياسياً وتاريخياً يتجاوز حدود التحالفات السياسية العابرة، ليصل إلى مرحلة الوحدة العضوية فى مواجهة التحديات. فمنذ عقود استقرت حقيقة استراتيجية فى الوجدان العربى مفادها أن أمن الخليج يبدأ من القاهرة، وأن قوة مصر واستقرارها هما الدرع الواقى للمنطقة العربية برمتها. ولا يمكن فهم عمق العلاقة بين مصر ودول الخليج دون العودة إلى الجذور، حيث تشكلت هذه العلاقة على أسس من الدعم المتبادل والمواقف التاريخية المشهودة.
لقد أسهمت مصر تاريخياً فى بناء النهضة التعليمية والإدارية فى دول الخليج من خلال البعثات التعليمية والكوادر البشرية التى وضعت اللبنات الأولى للمؤسسات الحديثة. وفى المقابل وقفت دول الخليج وقفات حاسمة إلى جانب مصر فى لحظات فارقة، سواء فى حرب أكتوبر 1973 عبر سلاح البترول، أو فى أعقاب أحداث يونيو 2013 لدعم استقرار الدولة المصرية واقتصادها.
وتبنت القيادة السياسية المصرية عقيدة واضحة أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسى مراراً بأن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر»، وهى جملة تترجم واقعاً استراتيجياً معقداً.
تواجه المنطقة طموحات من قوى إقليمية تسعى لبسط نفوذها وتغيير هويتها العربية. وهنا تبرز مصر والخليج ككتلة صلبة ترفض المساس بسيادة الدول العربية أو التدخل فى شؤونها الداخلية، مما يخلق توازنا يمنع انفراد أى قوة بمقدرات المنطقة.
ويرتبط الأمن القومى للطرفين ارتباطاً وثيقاً بسلامة الملاحة فى البحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولاً إلى قناة السويس. فأى تهديد للملاحة فى الخليج العربى يؤثر فورا على حركة التجارة فى القناة، والعكس صحيح، مما يجعل التعاون ضرورة وجودية لا رفاهية. وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً فى طبيعة العلاقات الاقتصادية؛ حيث انتقلت من إطار الدعم المباشر إلى الشراكات الاستراتيجية الكبرى. وأصبحت صناديق الاستثمارات الخليجية (السعودية، الإماراتية، والقطرية) شريكاً أساسياً فى المشاريع القومية المصرية، سواء فى العاصمة الإدارية الجديدة، أو قطاع الطاقة، أو السياحة.
وتشرع مصر ودول الخليج فى مشاريع عملاقة للربط الكهربائى، ما يحول المنطقة إلى مركز إقليمى لتداول الطاقة، ويدعم خطط التحول نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر. ويتجه التعاون نحو الاستثمار فى الأراضى المستصلحة بمصر لضمان سلة غذاء عربية مستدامة، مما يحمى الشعوب من تقلبات الأسواق الدولية.
وتتسم المواقف المصرية الخليجية بتناغم كبير فى الملفات الإقليمية الكبرى، مثل التمسك بحل الدولتين ورفض أى تصفية للقضية الفلسطينية. وكذلك الإصرار على الحلول السياسية النابعة من الداخل ورفض وجود الميليشيات أو القوات الأجنبية. إضافة إلى التعاون الأمنى المكثف لتجفيف منابع الفكر المتطرف وحماية المجتمعات من التفتت الطائفى.
ورغم قوة هذه العلاقة، فإنها تواجه تحديات يفرضها النظام العالمى الجديد، وتغير مراكز القوة الاقتصادية، والتحول الرقمى. إن المستقبل يتطلب تطوير آليات العمل العربى المشترك لتكون أكثر سرعة ومرونة. ولا بد من تعزيز التصنيع المشترك، لتقليل الاعتماد على الخارج. وهناك ضرورة إلى الاستثمار فى «القوة الناعمة» المشتركة لمواجهة الغزو الثقافى وحماية الهوية العربية لدى الأجيال الجديدة.
إن المصير المشترك بين مصر ودول الخليج ليس مجرد قدر جغرافى، بل هو خيار استراتيجى واع. لقد أثبتت التجارب أن انكسار أى طرف هو إضعاف للآخر، وأن قوتهما معاً هى الضمانة الوحيدة لبقاء المنطقة العربية لاعبا فاعلا فى الخارطة الدولية. إنها علاقة «جسد واحد» إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض