سهيلة الرملي تكتب: بين أصالة الهوية وزيف التأليف: لماذا لا يحتاج "رمضان" لصك ملكية فرعوني؟
انتشرت في الآونة الأخيرة محاولات مستميتة لـ"تمصير" بعض الشعائر الدينية ونسبها قسرا إلى الحضارة المصرية القديمة؛ من "فانوس رمضان" إلى "كعك العيد".
ورغم أن الدافع وراء هذه المحاولات هو حب الوطن والرغبة في تأكيد عمق الجذور الحضارية، فإن هذه العاطفة حين تفتقد إلى المنهج العلمي قد تظلم تاريخنا بدلا من إنصافه، وتضعف هويتنا بدلا من ترسيخها.
1. رمضان شعيرة.. لا "محاكاة" تاريخية
رمضان شعيرة إسلامية مستقلة، نزلت بتشريعها وقدسيتها في القرآن الكريم، وأخذت مكانتها في وجدان المسلمين عبر القرون باعتبارها ركنا من أركان العبادة.
ومن ثم فإن محاولة "إلصاقها" بحضارة سابقة لا يضيف إليها قدسية، بل قد يُفهم على أنه انتقاص من خصوصيتها الدينية، كما أنه يخل بدقة القراءة التاريخية.
مصر، بتاريخها العريق، ليست بحاجة إلى "وساطة" من الماضي كي تثبت أصالتها في الاحتفاء بدينها وحياتها الروحية المعاصرة.
2. عظمة "التراكم" لا "التكرار"
الشخصية المصرية لم تكن يوما "نسخة كربونية" ثابتة عبر العصور، بل هي نتاج بناء حضاري متراكم تشكل عبر آلاف السنين.
نحن مصريون لأننا ورثة حضارة عظيمة تمتد جذورها إلى عصور الفراعنة، وفي الوقت نفسه نحيا حاضرنا بثقافته وقيمه وشعائره الدينية.
عبقرية المصري لا تكمن في الادعاء بأنه اخترع كل ما يمارسه اليوم قبل آلاف السنين، بل في قدرته على صبغ ما يتلقاه من ثقافات وشعائر بروحه الخاصة؛ روح الكرم والبهجة والاحتفاء بالحياة.
ومن هنا جاء الطابع المصري المميز لرمضان: الزينة، والأنوار، والموائد، والدفء الاجتماعي الذي يميّز هذا الشهر في البيوت والشوارع.
3. حماية التاريخ من "اجتهاد الدخلاء"
مع كامل التقدير لحماس غير المتخصصين واعتزازهم بالحضارة المصرية، إلا أن التعبير غير العلمي كثيرا ما يخون أصحابه.
فحين تتحول الحضارة المصرية إلى مادة للتأليف الحر والربط غير المدعوم بالأدلة، فإن ذلك يضر بمصداقية التاريخ نفسه.
التاريخ علم له أدواته وقواعده الصارمة، ويعتمد على نصوص موثقة وأدلة أثرية وتحليل منهجي.
ولهذا فإن المتخصصين في علم الآثار والتاريخ هم الأقدر على التمييز بين العادات المتوارثة عبر العصور – مثل بعض أنماط الزراعة أو الاحتفالات الشعبية – وبين الاختلاق التاريخي الذي يُنسب فيه إلى الماضي ما لا دليل عليه.
الخلاصة
تكمن قوة مصر في تعدد طبقاتها الحضارية؛ فكل عصر ترك بصمته الخاصة في الشخصية المصرية.
مصر القديمة قدّمت للعالم حضارة العلم والبناء والتنظيم، بينما يشكل رمضان اليوم أحد أهم مواسم الروح والعبادة في المجتمع المصري المعاصر.
وقد اجتمعت هذه الطبقات جميعها في وجدان المصري، لتصوغ شخصيته الفريدة دون حاجة إلى تزييف الوقائع أو سلب هوية عصر لصالح آخر.
فلنترك التاريخ لأهله من الباحثين والأثريين، ولنحتفِ بقدسية رمضان كما هي: شعيرة دينية عظيمة، عاشت في مصر واكتسبت فيها طابعا مصريا أصيلا، دون أن تحتاج إلى "صك ملكية فرعوني".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض