بين "كوميديا الموقف" وشجن الورم الخبيث
"ورد وياسمين" يهز مسرح قصر العيني.. دراما عائلية تبكي وتضحك جمهور القاهرة
شهد مسرح كلية الطب البشري بجامعة القاهرة (قصر العيني)، ليلة فنية واستثنائية تمثلت في تقديم العرض المسرحي المتميز "ورد وياسمين"، وسط حضور جماهيري حاشد ضم كوكبة من قيادات الجامعة، وأعضاء هيئة التدريس، والطلاب، وأولياء الأمور، في مشهد يترجم النجاح الكبير والتأثير الفني البالغ للعمل الذي تحول من مجرد مسرحية إلى حالة فنية متكاملة ستظل محفورة في الذاكرة.
وفي هذا السياق، أعربت الدكتورة هالة كمال نوفل، أستاذ الإذاعة والتلفزيون، عن إعجابها الشديد بالمستوى الفني الراقي الذي قدمه فريق المسرح، واصفةً العمل بأنه "إبداع حقيقي تخطى حدود الوصف"، مؤكدة أن العرض تميز برقيّه وإبهاره، وحمل كمًا هائلًا من المشاعر والإنسانية الشديدة التي نجحت في ملامسة قلوب الحاضرين منذ اللحظة الأولى وحتى إسدال الستار ومغادرة الجمهور للقاعة.
وتعد مسرحية "ورد وياسمين"، لمؤلفها ومخرجها محمد حسن، بمثابة قصيدة درامية مهداة لكل بيت عربي يصارع الزمن والنسيان من أجل الحفاظ على رائحة المحبة وذكريات الأمس الجميل؛ حيث تبدأ الحكاية من عتبات بيت قديم تفوح منه رائحة الذكريات، لتأخذ الجمهور في رحلة داخل وجدان الأم "وداد"، التي تعيش ممزقة بين زمنين: ماضي طفولتها ببهائه وأحلام الباليه المجهضة، وحاضر مثقل بمسؤوليات عائلة "شكري" العائد من رحلة كفاح مريرة في الغربة.
وتدور الحبكة الدرامية حول الاستعداد لزفاف الابنة الكبرى "ليلى"، وهو الحدث الذي يختصر آمال العائلة في غدٍ أفضل، فبينما ينشغل الأب في تأمين لقمة العيش بمواجهة واقع مادي صعب، تنشغل "وداد" بحياكة الفرح لبناتها، محاولةً استرداد ربيعها الضائع، حتى يتسلل "المرض" كضيف ثقيل يهدد ببعثرة الأوراق، حيث يظهر الورم في جسد الأم ليكون رمزًا للزمن الذي يسرق أغلى ما نملك، لتتحول المسرحية هنا إلى مرثية إنسانية عميقة يواجه فيها كل فرد حقيقته؛ من الابن "علي" المتمرد بموسيقاه، إلى "ياسمين" الخائفة من غياب أمها، وصولًا للأب "شكري" الذي يدرك متأخرًا أن الغربة الحقيقية لم تكن في المسافات، بل في سنين العمر التي تسللت من بين يديه بحثًا عن الرزق.

ورغم عمق المأساة، امتلك النص جانباً حيوياً مبهجاً صنع توازناً درامياً كبيراً؛ حيث برزت "كوميديا الموقف" النابعة من صميم البيوت المصرية وتفاصيل "الزفة والجهاز"، ولعبت الشخصيات الثانوية دوراً محورياً بصفتها "ملح المسرحية"، حيث رسمت الإطار الاجتماعي للقصة وحمت العمل من السقوط في فخ "الميلودراما" الكئيبة، مما جعل المشاهد يتأرجح ببراعة بين الضحك والتأثر، مستخدماً الكوميديا كستار يهرب خلفه الأبطال من واقعهم الصعب، وصولاً إلى خاتمة شاعرية تفيض بالشجن، التقت فيها "وداد" وابنتها "ياسمين" في حوار وجداني حول الذاكرة، لتؤكد المسرحية في رسالتها الأسمى أن هناك أشياء في الروح لا تموت، وأن "الورد والياسمين" هما عطر العائلة الذي يبقى حياً حتى لو انطفأت الأنوار وانتهى العرض.
وفي الختام، توجهت الدكتورة هالة نوفل ببالغ التحية والمباركة للمخرج والمؤلف محمد حسن، ولكل عناصر العمل خلف الكواليس وعلى خشبة المسرح من جيل القدامى والجدد، كما أعرب القائمون على العرض عن خالص شكرهم لـ قيادات جامعة القاهرة وكلية الطب البشري، وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس الجامعة، ونائبه الأستاذ الدكتور أحمد رجب، والأستاذ الدكتور حسام صلاح مراد عميد الكلية، والوكيلة الأستاذة الدكتورة حنان عبدالعزيز مبارك، ومستشار الأنشطة الفنية الأستاذ الدكتور محمد نجيب، وإدارة رعاية الشباب، لدعمهم المستمر الذي أسهم في خروج هذا العمل الفني الكبير بالصورة المبهرة التي تليق بمكانة الجامعة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض