فى كل عام، يحل علينا شهر رمضان المعظم حاملاً معه نفحات الروحانيات والقيم النبيلة التى تأسست عليها هذه الأمة.. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الشهر الفضيل يتحول فى شاشاتنا إلى موسم للصيد الثرى، حيث يبث الإسفاف تحت مسميات «الترفيه» و«الإثارة»، وعلى حساب من؟ على حساب رموز مصرية لها تاريخها ومكانتها فى وجدان الشعب.
لم يعد الأمر مقتصراً على مسلسل لا يرقى للذوق العام، بل تعداه إلى برامج تصنف تحت باب «المقالب» وأخرى تحت ستار «التوك شو الجرىء»، وكلها تشترك فى هدف واحد: الإثارة الرخيصة والترند العابر، حتى لو كان الثمن هو تشويه صورة شخصيات عامة ورموز وطنية.
لطالما أثارت برامج المقالب الجدل، لكنها فى السنوات الأخيرة تجاوزت كل الحدود.. لم تعد مجرد مقلب برىء ينتهى بضحكة، بل تحولت إلى «مصائد» مُحكمة تذل فيها الضيوف وتُكسر كرامتهم أمام الملايين، مستخدمة أحدث تقنيات الرعب والإيذاء النفسى.
فى رمضان 2026، يعود الفنان رامز جلال ببرنامجه «رامز ليفل الوحش» بمستوى جديد من «الإثارة» المقتبسة من ألعاب الموت كما فى مسلسل «Squid Game»، تحت شعار «اجمد ومتبقاش خفيف».. السؤال الذى يطرح نفسه: أى نوع من الترفيه هذا الذى يعتمد على تخويف الضيوف وإركاكهم؟ وأين ذهبت كرامتهم الإنسانية فى زمن «الترند»؟
حادثة الفنانة آثار الحكيم ما زالت عالقة فى الأذهان، حيث صرحت بأن مشاركتها فى أحد برامج المقالب كلفتها صدمة نفسية وإحساساً بالإهانة دفعها لاعتزال الظهور الإعلامى لفترة.. هذه ليست حالة معزولة، بل هى نموذج لما تقدمه هذه البرامج، التى باتت تتصيد الضيوف، خاصة الرموز الفنية والرياضية، لتحويلهم إلى مادة دسمة للسخرية.
أما على الجبهة الأخرى، فهناك نمط آخر من البرامج التى تزدهر فى رمضان، وهى تلك التى تستضيف شخصيات مثيرة للجدل تحت غطاء «الحوار الجرىء» أو «كشف الحقائق»..المفارقة أن هذه البرامج باتت تعتمد بشكل أساسى على استضافة أطراف خلافات شخصية أو عائلية، وتحويلها إلى «ترند» يلهث خلفه الجميع.
من المشاهد التى صدمت الرأى العام مؤخراً، الاستضافة المثيرة للجدل التى جمعت إعلامية ببلوجر وداعية، وتحول البرنامج إلى منصة لتصفية حسابات شخصية وفضح أسرار أسرية تحت عنوان «الطرحة والحجاب» و«الخيانة الزوجية».. لقد تحولت الشاشة إلى ما يشبه «محكمة قيم» مفضوحة، لكنها محكمة لا تبحث عن عدالة بقدر ما تبحث عن إثارة، بغض النظر عمن يسقط ضحيتها، حتى لو كانوا رموزاً دينية أو فنية لها ثقلها الجماهيرى.
ما يحدث هو خلط للأوراق تحت مسمى «حرية الإعلام».. فحرية الرأى لا تعنى أبداً الانتهاك السافر للخصوصية، ولا تحويل الشاشة إلى منصة للسباب والاتهامات.. والأدهى من ذلك، أن بعض هذه البرامج لا تتردد فى استضافة شخصيات متشددة وأفكار متطرفة، مانحة إياها «أوكسجين» الإعلام والانتشار، كما لو كانت تقدم خدمات مجانية للتيارات التى طالما حاربت الدولة والمجتمع.
للأسف، هناك معادلة صارت واضحة: كلما زادت درجة الإثارة والفضائح، زادت نسبة المشاهدة، وزادت أرباح القنوات. هذا ما يسمى بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تتحول القيم والأخلاق إلى سلعة رخيصة فى سوق الترند.
لكن الثمن الحقيقى يدفعه المجتمع.. عندما تهان الرموز على الهواء، وعندما تتحول الفضائح الشخصية إلى مادة للمسابقات الرمضانية، فإننا نساهم فى تدمير الذائقة العامة، ونخلق جيلاً يعتقد أن النجاح هو الظهور بأى صورة، حتى لو كانت على حساب كرامته.
والمؤسف أن الضيوف أنفسهم يتحولون إلى شركاء أحياناً، إما بجهلهم بما ينتظرهم، أو بمقابل مادى يدفعهم للتغاضى عن الإساءة المتوقعة..وهكذا تدور عجلة الإثارة، وتبقى الخسارة للأخلاق والمبادئ والرموز التى طالما شكلت هوية هذا الوطن.
نحن لسنا ضد الترفيه، ولسنا ضد الإعلام الجرىء، لكننا ضد تحويل الشهر الفضيل إلى ساحة ابتذال وتربح على حساب كرامة الناس. نعم، يجب أن يكون الإعلام قوياً ومنافساً، لكن ليس على حساب هويته وقيمه.
إن مسئولية القائمين على الإعلام كبيرة، فهم ليسوا مجرد تجار محتوى، بل هم شركاء فى تشكيل وعى الأمة.. المطلوب اليوم هو إعادة النظر فى سياسات البرامج الرمضانية، ووضع ميثاق شرف حقيقى يمنع استضافة المطلقات والهاربين من العدالة تحت مسمى الحرية، ويجرم الترويع والإذلال تحت مسمى الترفيه، ويحمى رموز هذا الوطن من أن يكونوا وقوداً لصراعات الترند الزائف.
فمتى ندرك أن الأخلاق ليست عيباً، وأن الإثارة الحقيقية تكمن فى الإبداع لا فى الفضائح؟ رمضان كريم على الجميع، وكفى بهذا الشهر أن يكون شهر رحمة، لا موسم ابتذال وتشويه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض